الرئيسية » أقلام حرة » عبد الله الغُول…هم يُحيون ذكرى البانديّة و نحن نحيي ذكرى أبطال تونس
عبد-الله-الغول

عبد الله الغُول…هم يُحيون ذكرى البانديّة و نحن نحيي ذكرى أبطال تونس

بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر

” عبد الله الغول الذي ولد سنة 1910 هو ابن المقاوم عمر الغول المرزوقي(أُعدم سنة 1924) ، من فريق أولاد عبد الله من مرازيق العوينة (قرب دوز) وأب عبد الله هذا أي عمر الغول هو أحد أبطال الجهاد الليبي– التونسي ضد الاستعمار انخرط في “الجهاد” سنة 1915 بعد نداء خليفة المسلمين بالأستانة في صفوف مجاهدي طرابلس بقيادة خليفة بن عسكر وشارك في معارك عدّة ضدّ الايطاليين في الغرب الليبي وضمن ثورة الودارنة حيث اشتهر عمر الغول وغطت شهرته على غيره من مجاهدي المرازيق نتيجة مهارته في إصابة الهدف وسرعة حركته في الرمي وفي التنقل ومن أشهر الوقائع التي ظهر فيها اسمه واقعتي الهيرة الأولى والثانية سنة 1918 وقبلها واقعة زار سنة 1916. رفض الاغراءات بالاستسلام والعفو عليه من السّلط العسكرية الفرنسية حتى قتل غدرا وجزّ رأسه سنة 1924 إثر خيانة في أحد مرابع التوارق في الجنوب على الحدود الجزائرية و ارسل لموطنه دوز ليراه الناس و يرتدعوا و الغول الأب هذا هو الثائر الوحيد تقريبا الذي سار أبناؤه على هديه في مقاومة الاستعمار.
عبد الله الغول له اذن ثأر مع فرنسا ، ثأر عائلي و ثأر وطني لذاك سنجده ضمن من رفعوا السلاح في وجه فرنسا لاحقا و خاصة في “ثورة المرازيق” (1943-1944) .

 عبد الله الغول في “ثورة المرازيق”

لقد كان وضع الحرب العالمية الثانية وضعف فرنسا وتحوّل محميتها تونس إلى شبه محمية ألمانية وإيطالية ،خاصة منذ نزول قوات المحور بها في نوفمبر 1942، فرصة أخرى جرّأت التونسيين عامة على تحدّي فرنسا والتمرّد على سلطتها بتونس وكان الأمر في الجنوب أكثر خطورة إذ اتخذت المقاومة الوطنية شكل مجابهة عسكرية بين “الثوار” والقوات الفرنسية من أواخر 1942 إلى صائفة 1944 ،كانت أهمّ فصولها انتفاضة المرازيق هذه التي كان عبد الله الغول أحد أبطالها ضمن أبطال آخرين.
وقد جدّت عمليات المجابهة الأولى مع فلول الجيش الفرنسي المرتد نحو الجنوب والجزائر أمام تقدّم قوات المحور، التي دخلت دوز في 12 نوفمبر، في 13 نوفمبر 1942 ببئر عوين ثم بقعر ناضر وفي مواقع أخرى وكانت أعمال المقاومة هذه من فعل عصابتين مدججتين بالسّلاح يتراوح عددها بين 35 و 60 فردا من دوز وقبلي والصّابرية في علاقة مع ربايعيّة جهة الواد بالجزائر وفي 28 ديسمبر 1942 تمرّدت فرقة من مخازنية المرازيق بقيادة محمد بن خالد بفورسان (Fort Saint) على قائدها الفرنسي والتجأت بأسلحتها ومهاريها إلى غدامس لتحتمي بالايطاليين هناك وفعلت فرقة أخرى من المخازية الأمر ذاته بالجريد وعادت بأسلحتها وإبلها إلى دوز لكن أهم مجابهة لقيها الجيش الفرنسي بالمنطقة كانت من مرازيق دوز وبدعم في الأول من الايطاليين ،الذي طردوا وحدات الجيش الفرنسي وأخذو مكانها، وكانت هذه المليشيا من الشبان الحُماة (علي الصّيد وعبد الله الغول والطاهر بن عبد الملك وحامد بن عبد الملك وحمد بن عبيد وحمد بن علي بن ناجي الأحمر والعيد بن محمد بن الحاج) تسلّحت في جانفي 1943 للدّفاع عن قرية العوينة وصدّ هجومات وأعمال النهب التي كانت تقوم بها وحدات الجيش الفرنسي المرابطة جنوب دوز.

وسرعان ما تطوّرت هذه المقاومة من حيث ازدياد عدد المنخرطين فيها وكثافة المعارك وكانت أهمّها، قبل انسحاب القوات الايطالية من المنطقة وإعادة احتلالها من الفرق الصّحراوية الفرنسية في 23 مارس 1943، معركة المنقار بضواحي العوينة ( 1 جانفي 1943 ) وواقعة وادي المالح ( 23 جانفي ) التي قتل فيها الملازم دي لابريار وأسّر بعض جنوده وواقعة طويل كعرودة (13 فيفري) جنوب دوز والتي قتل فيها قائد دورية فرنسية وأسّر إثنان منها.

وبدخول القوات الفرنسية إلى دوز من جديد وانسحاب “الثوار” طفقت تنتقم من السّكان وتنكّل بالأهالي (اعتقال العديد من الرّجال والنساء في البرج العسكري وتفجير منازل الفارين…) وتحوّلت المصادمات خارج دوز وكذلك داخلها وكانت أهمّ أحداثها معركة دوز (28 ماي 1944) حيث هاجم الثوار البرج (الثكنة) و كان من ضمنهم عبد الله الغول بقيادة علي الصّيد وتمكنوا من الانتصار على الحامية الفرنسية وقتل قائدها وأسر البقية وحرّروا عائلاتهم المأسورة وفرّوا على شاحنات خارج المنطقة، لكن القوات الفرنسية استرجعت البرج في اليوم الموالي إثر انسحاب الثوار وجندت قوات كبيرة (1500 جندي) معزّزة بالطائرات والدّبابات طفقت تطارد المقاومين ربيع وصيف 1944 من جبال مطماطة شرقا إلى الحدود الجزائرية غربا لتتمكن من تصفية جلّهم في عمليات المطاردة هذه أي سبع وثلاثين على ثلاث وأربعين ثائرا تقريبا .
و نتوقف هنا عند احدى هذه المعارك البطولية التي خاضها الثوّار ضد وحدات الجيش الفرنسي و كان مترجمنا عبد الله الغول أحد أبطالها و هي المعركة التي وقعت في المكان المسمى”بئر بعجة” (8 كلم شمال غربي بئر زميط) في عز الصيف يوم 27 جوان 1944 بين المقاومين و سرّيّة من 60 جنديا سينغاليا يقودهم العريف اول سارج ميشال و دامت المعركة من الصباح حتى الواحدة و النصف بعد الزوال لينسحب الثوار لكن ليصطدموا من جديد من الغد، بوادي بن شعبان بالمكان المعروف ب”اللّقن”، بقوة اخرى فرنسية عدادها 150 جنديا حيث دارت معركة غير متكافئة بين الطرفين استبسل فيها المقاومون وقد كتب مؤلفا “ثورة المرازيق” يقولان انّ عبد الله الغول و رفيقه محمد خميس” لم يتردّدا أن دخلا في معركة حامية مع اعوان الفرنسيّين(…)” كما “قفزت بعض النساء الجريئات في مقدمتهنّ مباركة بنت عمر بن عبد الملك أخت ابناء عمر بن عبد الملك ، و زوجة الشهيد حمد بن بلقاسم بن عبد الملك و حليمة بنت عمر بن عبودة زوجة عبد الله الغول ، قفزت على الأسلحة و شاركن في المعركة بكل جرأة” .

وقد انتهت المعركة بانتصار الثوار و انسحاب الجنود الفرنسيين خاصة عند هروب المتطوعين في صفهم من قرية مطماطة . و قد خلّد الشاعر عبد الله بن علي بن عبد الله هذه المعركة في قصيد منه الأبيات التالية:
“وقع ملطم في اللقن و واده ما بين العديان
فزعت مطماطة في حشادة بنعيسى و توجان
حاكمهم يُومر في اولاده شدوهم شدّان
اليّ يجيب الغول و ميعاده نعلّقله نيشان
كل واحد ينده في جواده طامع بالسّعيان
يحساب الحزبي و اصهاده مسكوبة كيسان
تلاقوا وين البر تعادى رِدّة بن شعبان
الطاهر ولد عمر تمادى صابر للنيشان
زوايلهم قعدوا في حمادة للذيب الجيعان
صعيب بحره من يدهم واده لا قدّوا يطبّوه
برمُوا مِنّه عطاش كساده جهار شايح خلّوه”

وقد تمكن عبد الله الغول من أن ينجو مع رفاقه من ملاحقة الجيش الفرنسي والقومية والمخازنية والتجأ أوّلا إلى جبال مطماطة قبل أن يلجأ إلى طرابلس صحبة اخيه محمد و ثلة من المجاهدين الآخرين، حيث كانت السلط الفرنسية تتتبعهم كمجرمين متعاونين مع العدو فتم اعتقال عبد الله و اخيه و رفقيهما المكّي بن محمد بن بوبكر من البوليس الانجليزي بليبيا سنة 1945 ليسلّمهم مكتوفي الأيدي للسلط العسكريّة الفرنسية .
و يحكي بوبكر عزيّز، المناضل النقابي و الوطني المعروف، و الذي التقى عبد الله الغول في السجن المدني بتونس سنة 1948 يقول عنه:”انّ هذا الرجل الأسطورة جدير بأن تنقل ذكراه من جيل الى جيل، فلم يصارع العباد و الصعاب من أجل نظرة اقتصادية او اجتماعية ، لقد كان عنتريا فحسب…فعبلاه كانت حياة الأنوفة” . يستطرد ليقص ما سمعه من الغول ذاته كيف تمكن من الهروب ” وجيء بقوميّة من بني قومهم للتعرّف عليهم ، ولمّا تمّ ذلك سلّمتهم السلط الانجليزيّة الى القوميّة التونسيّين و قيّد الأسرى ، ورُمي بهم في السيارة التي انطلقت في اتجاه بلدة دوز ليعرضوا هناك على الأهالي لتذكيرهم أنّ فرنسا هي الأقوى…و أقبل الليل و قد بلغت السيارة”كاف العنبة”( بين تطاوين و بني خداش) و كان عبد الله قد تمكن من الخلاص من قيوده بأعجوبة فرمى بنفسه في “الكاف”،انجاءا له من القتل و اعدادا لمواصلة جهاد اصطبغت به روحه (…) فأصيب الناقلان للمجاهدين بذهول ، ثمّ قرّرا اعدام اسيريْهما المتبقيين، و هما احمد الغول و المكي بن محمد بن بوبكر، على عين المكان” . ويبدأ فصل آخر من حياة عبد الله الغول.

 عبد الله الغول من السرّية الى الاعدام

لجأ عبد الله الغول فترة عند معارفه من الحوايا في بني خداش لينتقل بعدها الى الوطن القبلي ليشتغل في منجم ام الذويل تحت هوية مزيفة ، لكن سنة 1947 سيقع كشفه ، بعد وشاية، و يلقى عليه القبض في 22 اوت و يجلب للسجن المدني ليقدّم للمحكمة العسكرية .و في مقال كتبه الضباط الفرنسي جون سيران لصحيفة “لا دباش تونزيان” بتاريخ 15 جويلية 1948 بعنوان” هنالك فلاق سيحاكم و هاهو نص الاتهام” ، وعبد الله الغول كان موقوفا يترقب محاكمته، نستشف منه صورة هذا الرجل عند اعدائه، فهم بقدر اكبارهم للرجل و الاقرار بخطورته هم يحقدون عليه ، اذ كان النقيب جون سيران- Jean Seran- هذا يقود مفرزة من فرسان المهاري تتعقب المتمرّدين في الاربعينات اثناء انتفاضة المرازيق و له اطلاع عن كثب عن عاداتهم واوضاع نفزاوة عامة.يقول جون سيران عن الغول:”(…) يوجد حاليا رهن المحاكمة فلاّق ذو قامة كبيرة .

و بالفعل أنّ عدد جرائمه و نوعيتها تجعله ، وزيادة، على رأس قائمة كل الفلاقة ماضيا و حاضرا، انه عبد الله بن عمر الغول من دوز الجنوبية ،و قد ورث كنية الغول عن والده المتمرّد سنة 1915 و الذي افشل لمدة تسع سنين السلط الأمنية في القبض عليه.كان ممتهنا التهريب (كناتري) و له من القدوة حتى لا يتوقف عند ذاك و يمارس بطولاته” ، ثم يعدّد سيران مختلف الوقائع و المعارك التي خاضها الغول مشددا على قساوته مع اعدائه و تعدد من قتلهم في المعارك من الفرنسيين و من التونسيين المتعاونين معهم و حتى من بين الأسرى، كذلك ينوه هذا النقيب ببراعة الغول في الافلات من التتبع و الايقاف.و يذكر كيف انه صنّف منذ سنة 1944 “عدوّا للوطن” و انّ المحكمة العسكريّة سوف تحاكمه بتهم “قطع الطرق” و “الخيانة” و “التمرّد المسلّح” ليختم لائحة الادانة بوصف عبد الله الغول بانّه” لصّ تافه و مجرم من أسوء الرّهوط” :
( …le Ghoul est une crapule forcenée de la pire espèce »)
عبد الله الغول لم يقسُ عليه اعداؤه فحسب ، فذاك من طبيعة الأمور، بل كانت القساوة من الشق الوطني اذ التزم قادة الحركة الوطنية الصمت تجاه قضية بطل مقاوم يُحاكم من اجل رفعه السلاح ضد من يحتل وطنه و لم يتطوّع اي محام منه للدفاع عنه و الحال انّ قادة الحزبين الدستوريين كان اغلبهم من المحامين، و كذا كان الاهمال من الاتحاد العام التونسي للشغل اذ كانت هذه النقابة في عزّ قوتها سنوات 1948- 1950 .

الأمر يفهم عندما نتذكر أنّ مكونات الحركة الوطنية و حتى جناحها المتجذر، اي الحزب الحر الدستوري الجديد و زعمائه، كانوا زمن ذاك يدفعون عنهم شبهة رفع السلاح في وجه المستعمر و لا يقبلون التورط في الدفاع عن “متهورين” التجؤوا للسلاح للدفاع عن كرامتهم و عن وطنهم . و هذا الموقف تجاه عبد الله الغول كان مماثلا لموقف آخر في ذات التاريخ، تجاه فلاقة زرمدين الذين خذلهم الحزب و هنالك شهادات تتحدث حتى على تفاهم بين الامين العام للحزب الحر الدستوري آنذاك صالح بن يوسف و سلط الحماية للتخلص من هؤلاء المارقين على القانون و الذين كانوا “فلاقة” يمتهنون الاختطاف و الابتزاز و تطوروا في وعيهم الوطني و تحولوا الى كابوس يجابه الجندرمة الفرنسية، حيث تم استدراجهم و قتلهم في كمين للجيش الفرنسي بقرية لقطار سنة 1948.
و سوف يتطوّع في قضية الغول، و من خارج الشق السياسي الوطني، المحامي اليهودي التونسي ماكس شمّامة للدفاع عنه و قد اسرّ هذا المحامي لبوبكر عزيّز في 26 جويلية 1948 انّه” أعلم اهل الحل والعقد بتونس بمأساة عبد الله الغول، و لم يحرّك أحد منهم ساكنا بينما كان في امكانهم ان يتدخلوا ايجابا في شأنه لأنّ الحكومة الفرنسية اذاك كانت تغازل الدستور، و اضاف الاستاذ شمامة :” لقد تحملت التنقل الى باريس لتدعيم طلب العفو على عبد الله الغول الذي قدمته باسمه الى رئيس الجمهورية الفرنسية فنسون اوريول و رفض هذا المسؤول الاشتراكي العفو على المجاهد التونسي و هو يعلم جيدا ما فعلته المقاومة الفرنسية ضد الألمان” .
رُفض اذن طلب العفو على عبد الله الغول و بقي بالسجن المدني بالجناح “F” صامدا ” متدرّعا بايمانه الراسخ بالجهاد المتواصل الذي فطر عليه و المدعّم بما ترسله اليه بين الفينة و الأخرى والدته من بسيسة منقعة بدموعها” كما شهد رفيق زنزانته بوبكر عزيز .ليُخرج من سجنه و ينفذ فيه حكم الاعدام بساحة السيجومي في 20 نوفمبر 1950 ، شامخا، رافضا وضع العصابة على عينيه. ومن ظلم التاريخ انّ عبد الله الغول الذي ظلم حيّا ، ظلم كذلك وهو ميّتا، حيث لم يدرج اسمه في “السجل القومي لشهداء الوطن” الذي أصدره الحزب الاشتراكي الدستوري سنة 1978. فقط رثى لإعدامه عشيرته و من كانوا في حاله من وطنيّة و اباء و احبوه لوطنيته و قد كتب في رثائه الشاعر ضو لبيض مرثية منها:
” وينه زعيم الفلاقة الّي كان عالي و متسميّ
عبد الله و معاه رفاقه اولاد يداروا على الذمّة
(…..)
يا والده تبكي على عبد الله بعده حياتك لاش كان عذاب
مولى الشجاعة ليس يحمل ذلّة يطبّ السّوامر صهدهم لهّاب
قدّر عليه الله و كاتبله يصبر ابنادم لو يكون انصاب”

تعليقات

شاهد أيضاً

سعد-الحريري

كيف ربط اللبنانيون بين استقالة الحريري وبوادر الحرب المقبلة؟

“هل الحرب باتت قريبة في لبنان؟”. عاد هذا السؤال ليشغل اللبنانيين، بالسرعة نفسها التي شغلهم ...