الرئيسية » أقلام حرة » أميركا وإيران: الصراع القاتل على النفوذ

أميركا وإيران: الصراع القاتل على النفوذ

سامي كليب
 
كان قائد فيلق القدس الجنرال الايراني قاسم سليماني يعرف أنه مستهدف بالاغتيال. وكان يعرف كذلك أنه بذهابه الى العراق، يعني أنه دخل دائرة الخطر الكبير في ظل التوتر الاستثنائي القائم بين إيران وأميركا على خلفية التظاهرات التي حاولت إقتحام السفارة الاميركية في العراق. لكنه ذهب. فالعراق دولة محورية لا بل الأهم حاليا في الصراع الكبير بين إدارة الرئيس دونالد ترامب وقيادة السيد علي خامنئي. لا أحد يستطيع خسارة هذا الموقع الاستراتيجي الهام، ولا أحد نجح حتى الآن في ربحه تماماً.

العراق هو خط الوصل الأول بين إيران وبقية محور المقاومة. وهو المتنفس في وقت التضييق الاقتصادي والمالي الأميركي الكبير على ايران وحلفائها، وعبره يمكن للرئة السورية ورئة حزب الله في لبنان أن تتنفسا أيضاً اقتصادياً وفي مجالات أخرى. من يخســر العراق، يخسر دوره الأهم في الوقت الراهن.

سعت واشنطن لتقزيم الدور الايراني على الأراضي العراقية. شجعت التظاهرات ضد طهران في قلب المناطق الشيعية الجنوبية والتي بلغت حد المطالبة بخروج إيران من العراق. تماما كما حصل في بداية الحراك اللبناني حيث رُفعت شعارات ضد حزب الله. لكن طهران امتصت الغضب، وفككت اللعبة الأميركية (أو هكذا اعتقدت) وانتقلت من الدفاع الى الهجوم، فتوالت التطورات من تطويق للسفارة الأميركية الى استهداف لقاعدة أميركية في الشمال. كذلك كان الشأن عند حليفيها في سوريا ولبنان، مع التقدم الكبير في ادلب ومع استعادة حزب الله زمام التركيبة الحكومية وامتصاص غضب الشارع.

  كان كلام ترامب وكذلك وزارة الدفاع الاميركية في الساعات الماضية واضحا لجهة الرد على إيران والقول بان طهران “ستندم”، وكان الكلام الايراني وتصريحات الحشد الشعبي واضحين أيضا في الحديث عن “طرد الاحتلال” الأميركي. بلغ الاحتقان ذروته. شعر ترامب وهو المقبل على انتخابات رئاسية صعبة هذه السنة، بأن ما يحصل في العراق يُعرّض هيبته للإذلال، وكانت إسرائيل طبعا تزيد الشحن سراً وعلانيةً. فقاسم سليماني عدو كبير لها.

قتلت أميركا قاسم سليماني ومعه نائب رئيسَ هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، واعترفت علانية بتنفيذها الغارة فجرا، معللة ذلك بانه “عمل دفاعي” يهدف الى ردع ايران عن القيام باعتداءات جديدة.

نحن أمام أكبر عملية تصفية جسدية لأحد أهم القادة العسكريين والاستراتيجيين الإيرانيين على أرض عراقية. لا تستطيع إيران السكوت على ذلك. هي سترد حتما وفي فرصة قريبة، وستحاول الرد بالمستوى نفسه ان لم تكن راغبة بالانجرار الى حرب لا هي تريدها ولا اميركا. من غير المعروف في أوقات كهذه كيف يمكن ان تتدحرج الامور لكن يمكن توقع الآتي:

  • ستسعى إيران للعب أكثر اوراقها قوة في العراق بعد الآن ولكن أيضا في عدد من دول المنطقة من سوريا الى لبنان ففلسطين.
  • صار الوجود الاميركي في العراق ابتداء من اليوم مُعرّضا لهجمات حتمية، خصوصا ان معظم قادة البيت الشيعي العراقي بمن فيهم مقتدى الصدر تآلفوا حول ضرورة تحميل واشنطن المسؤولية.
  • سيكبر الجدل في أميركا، وقد بدأ عدد من كبار القادة الأميركيين وبينهم قادة في الكونغرس بتحميل ترامب مسؤولية هذه المغامرة، ما يعني التأثير حتما على شعبيته الانتخابية، وهنا ستكون ايران قادرة على التأثير على هذه الانتخابات من خلال كيفية ردها وقدرتها على ضبط الرد.
  • ستحاول دول كثيرة الدخول على الخط لضبط النفس، وإعادة الامور الى نصابها والسعي لفتح حوار بين اميركا وإيران، لكن صار من الصعب جدا على السيد خامنئي القبول بمفاوضة من قتل أحد أبرز قادته العسكريين والاستراتيجيين. وهو ان قبل بالتفاوض فحتما سيكون ذلك مع خلف ترامب وليسه معه، أو سيكون بشروط إيرانية عالية جدا. لكن هذا الأمر مستبعد الآن.
  • سترتفع أصوات في العراق وفي بعض دول الخليج المجاورة وفي دول أخرى من العالم، لإعادة النظر بالدور الايراني في المنطقة والعراق، وسيزداد الضغط على طهران لمطالبتها بترك العراق للعراقيين.
  • قبل فترة كشفت طهران عن تورط جهات عربية وإسرائيلية بمحاولة اغتيال قاسم سليماني عبر تفخيخ الأرض المجاورة لقبر والده، فماذا لو تم الكشف هذه المرة عن تعاون استخباري عربي واسرائيلي في عملية قتل سليماني؟ كيف سترد طهران. فقاسم سليماني قاتل بصدق إسرائيل وساهم بتأسيس جبهات مقاومة في لبنان وسوريا والعراق وربما اليمن، وكشف مؤخرا عن دوره الكبير في دعم حزب الله في حرب تموز/يوليو 2006 بين لبنان وإسرائيل.
  • لا تستطيع ايران هذه المرة تكليف حلفاءها بالرد، فكرامتها مُسّت في الصميم، ودورها على رأس المحور سيصاب بنكسة كبيرة ان صمتت وهضمت ما تعرّضت له، لكنها لا تستطيع ولا تريد على الأرجح أيضا توسيع دارة الرد للوصول الى الحرب. هي حتما ستنتهز هذه الفرصة للخروج من التضييق الكبير عليها. لكن كيف ومتى؟ ربما قريبا.
  • ثمة من يعتقد بأن هذه المغامرة الدموية التي أقدم عليها ترامب، والتي سترد عليها ايران حتما، ليست محسوبة بما فيه الكفاية، وأنها ستضعف كثيرا الدور الاميركي في المنطقة وتسرّع الانسحاب، ولا شك في أن دولا كبيرة مثل روسيا والصين ستجدان الفرصة مناسبة للتقدم أكثر على حساب الدور الاميركي.

نحن في فترة خطيرة جدا وحاسمة جدا في الصراع الاميركي الايراني، وكل شيء فيها قابل للتفجير، لكن في احداث كبيرة كهذه، تسعى الدول الإقليمية والدولية الكبرى لاستغلال هكذا خطر لرسم حدود تفاوض جديدة وبشروط جديدة حتى ولو كانت بعيدة المدى. فلا أحد يريد الحرب، رغم هول ما حصل، لان الحرب ستكون مدمرة على الجميع.

بين الحرب والتفاوض، لا شك ان العراق صار أكثر الساحات خطورة في الصراع الايراني الاميركي على الأقل حتى اشعار آخر.

المصدر: 180POST

تعليقات

شاهد أيضاً

مراكمات الثورة التونسية.. ثورة “الرمال المتحرّكة”

ماهر جعيدان كانت تظهر الاحتجاجات في تونس حينما انطلقت ذات 17 ديسمبر 2010 سحابة صيف …

%d مدونون معجبون بهذه: