الرئيسية » أقلام حرة » أوبرا شهرزاد.. ليلة في جنان الحكايات وبهاء الأغنيات

أوبرا شهرزاد.. ليلة في جنان الحكايات وبهاء الأغنيات

ماهر جعيدان

“في صباح الأمنيات في ضياء العتمات في بهاء الكلمات أصطفي سرّ الحياة.. مرّ عمر يا حبيبي.. مرّ عمر يا حبيبي كبحر الأغنيات وانتشينا كل ليلة في جنان الحكايات.. شهريار يا مليكي بدلتك الحكايات غيّرتك الكلمات أأحكي لك عن نفسات الخنساء أأحكي لك عن زنّوبيا و كليوباترا أأحكي لك عن عشق ولاّدة.. عليسة.. أم أحكي لك عن تصوف رابعة.. أحبّك حبيبي حبّين حبّ الهوى وحبًا لأنك أهل لذاك فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمّن سواك وأمّا الذي أنت أهل له فكشفك لي الحجب حتى أراك ..”.

الحكايا والكلمات أثثتها النغمات واندمجت الأصوات في سحر الحلم ونادت التاريخ والأسطورة والعشق والحلول.. ولكن بصوت واحد، صوت النساء اللواتي جئن “على موج الثنايا”، لم تكن أوبرا شهرزاد في عرضها الأول الذي رأى النور لأول مرة على ركح المسرح البلدي بسوسة لتروي لنا “ألف ليلة و ليلة” وإنما روت لنا “ليلة أخرى” متميزة قتلت بها شهوات شهريار في عشق الدماء وزرعت حكايا النساء رقّة في قلبه فانقلب كرهه عشقًا وروضت شرّه فتحول إلى خير مطلق. ألسنة نساء كتبن التاريخ أنهين شهريار المتجبّر ونثرن شذى الحبّ في أرجاء الزمن.

“اهدأ يا مليكي..اهدأ يا مليكي”، هكذا هدّأت الروائية آمنة الرميلي الحروف والكلمات في الأوبرا. وروّضت الفنانة اللبنانية جاهدة وهبة بصوتها السحري شهريار الذي أدى دوره الفنان هيثم الحذيري وأثث الموسيقار سمير الفرجاني المشهد الموسيقي بالنغمات والإيقاعات التي اخترقت مكامن الحب في كل ركن من التاريخ، فاجتمعت في هذا العمل الإيقاعات الصوتية والقوة البلاغية والترنيمات الموسيقية لتشكل في نحو الساعة من الزمن حلمًا راود كامل الفريق الذي عمل عليه، وخاصة المؤلف أيمن صالح الذي تولى التوزيع والمخرج الركحي فراس اللبان، والأستاذ سامي حشلاف الذي أعدّ السينوغرافيا، ومصمم الملابس والأكسسوارت فوزي نوار، والمعهد العالي للموسيقى ونخبة من كورال أوبرا نيس الذين أدوا الكورال، إلى جانب “صولو” قانون لأمين القلعي و”صولو” هارب لمايا درامي وعدد من العازفين من جنسيات مختلفة لبنانية وجزائرية وفرنسية وإيطالية.

جمع العرض بين الأداء الغنائي والرقص التعبيري والحركة المسرحية. وشكلت جزالة الألفاظ وفخامة الأسلوب والصور الشعرية حجرة الركن في العمل. وطوعت الموسيقى الكلمات. فكانت الفنانة جاهدة وهبة مجتهدة في أداء دورها وحاولت التنويع الصوتي بما يمكّن من شد الجمهور إليها. فدغدغت الكلمات والأداء والتوزيع الموسيقي روح الحاضرين فكانت صوت التاريخ ولسان عليسة التي ” جاءت على ظهر موج الثنايا وفي القلب صور وسور مدينة. وفي العين دمع مدينة حزينة، قرطاج هي المدينة البهية من الماء إلى الماء جاءت هديّة. مدينة بنتها عليسة دموعًا وبحارًا.. بنتها عليسة ضياء وفرحًا.. لك المجد يا امرأة الأغنيات نسجت بحبرك ألف حكاية.. زرعت في حلمك ورد الثنايا..كسرت بصوتك صوت المنايا ..” .

أوبرا شهرزاد لاقت استحسان الحاضرين وكانت مفاجأة سارة خلال العرض الأول ولكنها بقيت أسيرة الركح الذي لم يكن ليتّسع لحركة ركحية مسرحية جميلة نظرًا لضيقه. كما لم تلبّ الإضاءة مقاصد المعنى الذي انبنى عليه المشهد المسرحي الدرامي. ورغم أن شخصيتي شهرزاد وشهريار بقيتا أسيرتي الزمن التاريخي  الماضي فإن الملابس قد أثارت نقد بعض المتابعين، فتمنى البعض الخروج عن النمط القديم ومزيدًا من التحرر في الملابس المصممة للعرض وبالتالي كسر حاجز الزمن مع الحفاظ على عبق الذاكرة والتاريخ، ورغم ذلك اخترقت الكلمات خط الحياة والموسيقى جمعت بين سحر الشرق والغرب.

“ألترا تونس” كان له لقاء مع الروائية آمنة الرميلي التي حدثتنا عن هذه التجربة قائلة “أوبرا شهرزاد عمل موحّد ونتوقع نجاحه، الفكرة بدأت مع الدكتور سمير الفرجاني واقترح عليّ كتابة نص أوبرالي باللغة الفصحى يقدّم على المسارح أوبرا شهرزاد التونسية وتكون البطلة فيه شهرزاد. وأنا كروائية وقاصة تستفزني جدّتي وحكايا شهرزاد وأحب هذه المرأة الموجودة في ذاكرتنا وفي حروفنا وكلماتنا. ومن هنا كان العمل و لكن الرهان في هذه الأوبرا أننا لم نلتق بشهرزاد التي نعرف. شهرزاد التي تحكي لتفلت من الموت. شهرزاد أفلتت من الموت وغيّرت شهريار وهو عندما يستفيق من سكرة الحكاية يتساءل في البداية هل قتلت شهرزاد؟ وإنما يقولون له لا وإنما أنقذتني كلماتي وأنا الآن هنا وتذكره أنها حكت له بألسنة النساء أوبرا نسائية وستحكي له بصوت عليسة وزنزبيا. كل صوت، تقول له شهرزاد، كان يترك فيك أثرًا، كان يبعدك عن السيف قليلًا وكان يقرّبك من القلب قليلًا”.

وتضيف الريملي “تقريبًا هذا موضوع هذه المسرحية. تتحدث عن نقلة المرأة  التاريخية من نقلة الذاكرة من حيّز إلى حيّز. وفي نهاية الأمر لأجل ذلك نكتب ومن أجل هذا نغني فيكون الرقص والغناء والمسرح وجميع الفنون مجتمعة”.

وتشير إلى أنها عملت مع الأستاذ سمير فرجاني من خلال أوبرا “خيل سالم “، كما غنتها المرحومة صليحة لكن دائمًا بشكل آخر، موضحة “أنا دائمًا آخذ هذه الأشياء الجاهزة العادية ثم أقلبها وأنقلها إلى عوالم أخرى مختلفة مع الإبقاء على تلك الخيوط القديمة التي تربط العمل بالجمهور وبالمتلقي وحقيقة كانت الفنانة جاهدة وهبة مشاركة في المقترح فوجدت عندي صدى كبيرًا وبدأت أكتب هذه القصة”.

وتبيّن محدثتنا أن سمير الفرجاني تفاجأ من سرعة كتابة القصة لافتة إلى أنها تعاملت معها كأنها رواية ومذكرة أنها روائية وبالتالي كان الدفق الكتابي موجودًا والتصوّر الدرامي يقودها داخل هذه الأوبرا والأغنية الممسرحة.

وتتابع بالقول “تقدمنا في هذا العمل أشواطًا بسرعة لكن الأستاذ سمير كان شديد الدقة، بالنسبة لي الكلمة تعني المعنى وبالنسبة له الكلمة هي نوتات موسيقية لذا كان يطلب مني تغيير هذه الكلمة أو تلك وعملنا على ذلك مدة دامت تقريبًا 5 أشهر”.

وتشير إلى أن “أساس بناء الكلمات شخصية شهرزاد ورمزية الكلمة ورمزية القصة ورمزية الحكاية ورمزية الحديث الذي يؤدي إلى تغيير شهرزاد خلال ألف ليلة وليلة. هي تروي الحكاية ولا يهمنا مدى صحتها وإنما هذه الحكاية كانت تدفع الموت بالحكاية تترك شهريار معلّقًا على جدل الحكاية، لا يستطيع أن يقتلها حتى تتم له حكايته ولكنها لم تكن تفعل. إذن كان لهذه المرأة  ذكاء حكائي رهيب”.

وتردف بالقول “نحن انطلقنا من ذلك ولكن حتى العرض كان عنوانه “ليلة أخرى” وليس ألف ليلة و ليلة. ستكون ليلة أخرى سيكون فيها شهريار قد تغيّر وستكون فيها شهرزاد ملكت ليس فقط عالم الحكاية ولكن كذلك عالم العقل وعالم التاريخ وعالم شهريار. وستقول له أنا غيّرتك بأصوات النساء الكبار في التاريخ العربي، عليسة وزنوبيا والخنساء والمرأة العاشقة والمرأة المتصوفة رابعة العدوية”.

وتؤكد آمنة الرميلي” لا يخلو العمل الفني من التفلسف لابد من شيء من التفسلف، القراءات الفلسفية لا تغيب في هذا العمل ستلاحظون ذلك الصراع، صراع مع الموت، صراع مع الخلود، صراع مع الكلمة صراع مع العقل والعاطفة، صراع بين السيف والعقل. هذا القتل الذي نعاني منه لا بد أن نغيره بالإبداع والثقافة”.

من جهته، اعتبر الموسيقار سمير الفرجاني في حديثه لـ”ألترا تونس”، أن “عرض أوبرا شهرزاد هو حلم آمنة الرميلي وأيمن عزيز صالح وفراس اللبان وجاهدة وهبة وفوزي نوار وهيثم حذيري وأكثر من 70 متدخلًا” قائلًا إنه “حلم بأوبرا تونسية أننا نغني الليلة.. نغني للنساء بأحاسيس ممزوجة بين أحاسيسنا التي عشناها من الأوبرات العالمية عائدة وغيرها. موسيقى تتداخل لدرجة أنها تعطي فكرة على خوالجنا الداخلية التي تتضمن تداخلًا بين ضفاف المتوسط. أحاسيس تكاد تختلط في كثير من الأحيان ونتمنى من الله أن يؤمن به الجمهور وأن تُسمع في يوم من الأيام في جميع أنحاء العالم”.

وبيّن أن الأوركسترا تتكون من موسيقيين من تونس من خيرة ما يوجد في تونس ومن فرنسا وإيطاليا، إلى جانب المغنية اللبنانية جاهدة وهبة والمغني هيثم حذيري الذي يعدّ من أهم الأصوات الأوبرالية وأميرة السلامي وكورال معهد الموسيقى بسوسة، مؤكدًا أنه من المهم جدًا أن يشق العرض طريقه بثبات وأن أمله الوحيد أن ينجح هذا العمل.

الترا تونس

تعليقات

شاهد أيضاً

الاسكوا”: 51 مليون شخص في المنطقة العربية يفتقرون للخدمات المائية

قالت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا) إنه “لا يزال 51 مليون شخص …

%d مدونون معجبون بهذه: