الرئيسية » أقلام حرة » النواب الذين أكلوا …الأسد وأشباله !

النواب الذين أكلوا …الأسد وأشباله !

عبد الدائم السماري

 

حضر النواب والنائبات، كما لم يحضروا من قبل أبدا..
وحضور الولائم، حيث يشتد أكل اللحوم، وتشحذ لها النواجذ والأضراس، تقليد تونسي أصيل.
نحن متأصلون في أكل اللحوم.. بما فيها لحوم الحمير.. ولحوم بعضنا البعض ..
لذلك لم يكن غريبا أن يحضر نوابنا ونائباتنا، والدهر معهم، بتلك الكثافة، وذاك الإصرار..
تركوا البحر.. والأجازة.. والدلاع البارد جدا.. وأطباق الهندي والكرموس.. وهبوا من كل فج عميق إلى باردو.. الوليمة هذه المرة لا تسمح بالغياب!

وباردو هذه، كان “سيدنا” الباي ، طيب الله ثراه، يقصدها في العام مرة أو مرتين.. لا أكثر.. رغم أنها يفترض أن تكون مركز حكمه.. غيرأن “سيدنا”، في الحقيقة، لم يكن مغرما بالحكم، بقدر ما كان مشغولا بالحرملك..
عندما يعن لــ”سيدنا” أن يأتي لباردو، كانت الجموع، بأسمالها البالية، ووجوهها الكالحة، تصطف على طول الصريق، لتنعم بطلته العثمانية البهية.. كان وجهه مضيئا جدا وسط عتمة الفقر من حوله.. وكانت حواجب “سيدنا” الكثة، وعيناه اللامعتان، وشارباه اللذين “يقرنص” فوقهما الطير، تشد أنظار البؤساء المصطفين.. كان “سيدنا” مثل سلاطين “حريم السلطان”.. ضعيف جدا في غرف النوم، شديد البأس مع الحكومة والرعية!!

و”سيدنا”، عندما يعن له أن يزور قصر باردو، فإن في الأمر عادة أمر جلل.. إنه يأتي لتويبخ حكومة جلالته لتخاذلها في جمع الجباية من سكان الإيالة التونسية المعدمين..

توبيخ الحكومات في باردو ليس أمرا طارئا!.. هذا للتاريخ..

كان سيدنا لا يرحم.. وكان “عسكر المحلة”، أو الانكشارية بلغة عثمانية أدق، يعيثون في القرى والأرياف قمعا وفسادا، بأمر من قادتهم، وتواطئ من وزراء الباي ، وبمباركة من مباشرة من “سيدنا”، بشبش الله الطوب تحت رأسه.. في حال مازال في القبر رأس..
كان “سيدنا” يحب أكل أرزاق ولحوم العباد وهم أحياء.. وكان يتلذذ بذلك.. أو هو كان فاقد للإحساس أصلا..
كان وحشا.. لا قدرة لأحد على رده.. وكان في كل مرة “يهد” فيها على باردو، إلا وانتظر الناس بلاء وشيكا، ومصيبة لا دافع لها..
المرة الوحيدة التي لم يتوقع الناس فيها بلاءه.. هي عندما رأوه مكسور الجناح.. مطأطئ الرأس.. وشارباه اللذان “يقرنص” فوقهما الطير وقد تدليا على لحيته، هي عندما جر جرا إلى باردو ليوقع على بيع البلاد إلى الفرنسيس!.. عام 1881.. عندما وقع معاهدة باردو، وأهدى لنا هديته العثمانية الجليلة.. المتمثلة في استعمار سيدوم خمسة سبعين عاما.. كان ذلك في باردو.. قبل 135 عاما بالتمام والكمال..

بيع تونس في قصر باردو ليس أمرا جديدا!.. هذه للتاريخ..

اليوم.. في قصر”سيدنا”، وحوله، وفي حدائقه ومبانيه الجميلة، والتي أردناها “المنطقة الخضراء” لحكم الشعب وسلطانه.. جاء حفدة “سيدنا” ليسيروا على نهجه.. ومن شابه جده، ما ظلم!

في الأماكن نفسها التي سار فيها بأناقته العثمانية الفاخرة.. والخواتم تتلألأ في أصابعه المكسوة شعرا وفخامة، وصدره موشّى بنياشين حروب لم يخضها، وحيث تكاد تسمع نحنحاته العثمانية الأصيلة، وخطاه وهو يتكئ على عكازه المذهب الذي يساوي ثروة الإيالة كلها في زمانه، جاء النواب والنائبات، والدهر معهم، ليلغوا في وليمة شهية أخرى.. وأي وليمة أشهى من أكل لحم “أسد” بحاله، ومعه كل أشباله من حوله!
وليمة صيفية تحت قبة باردة.. في صيف قائظ.. يقف فيه آخرون في الجبال والصحارى، يذودون عن حرمة بلد تتهدده السباع والقوارض من كل حدب.. لكنهم كانوا يأكلون بشهية.. و””يدورون” على بعضهم أحيانا ، فيأكلون بعضهم بعضا.. وكأننا أمام فيلم “زومبي” من ابداعات هوليوود!

في الديمقراطيات الحقيقية، تقف الحكومات أمام البرلمان.. فيجدد الثقة فيها، أو يسحبها.. هذا سلوك حضاري و دستوري لا جدال فيه… لكن تلك الجلسات لا تشبه بحال ولائم آكلي لحوم البشر.. مثل التي شاهدنا..
فهذا “الصيد” نحن لا نعرفه.. أنتم من أتى به.. وأنتم من زكاه.. وأنتم من قلتم لنا إنه يملك عصى موسى.. وأنه يكلم الغمامة العابرة ، فتنزل المطر.. وصدقناكم ، كما فعلنا دائما، ولا أحسبنا إلا سنظل كذلك..
يومها، نظمتم وليمة مدحية لا يتقنها في الواقع غيركم.. كما هو حال المارين بذلك المجلس منذ عصر الباي.. قلتم فيه كلاما لم تأت به عكاظيات الغابرين، حتى خلنا الرجل قادم لتوه من زمن الصحابة، بوعثاء السفر!..
وها أنتم اليوم تنكصون به، وبنا.. وتنكثون بوعدكم له، ولنا.. أنتم أنفسكم، يا حفدة “سيدنا”.. يا من تسيرون على نهج الباي، عنما يذهب إلى باردو ليأمر حكومته بأن تفتك أرزاق الناس ، أيا كانت أرزاقهم، أو يأتوه “بجلد” الرعية، فكأنما يريد أن يأكلهم وهم أحياء!.. وإن أبت حكومته ذلك، نزعها كما ينزع برنسه التركي اللامع، وضربهم على مؤخراتهم بعصاه الغليظة.. وأتى بحكومة غيرها.. تعيث فسادا في الإيالة.. وتأتيه “بجلد” الرعية.. حية أو ميتة!

نشر بموقع “الوطن الجديد”

تعليقات

عن Houda Karmani

شاهد أيضاً

تونس تسيطر على 15 حريقا بالمناطق الغابية نشبت بمختلف جهات البلاد أمس الأربعاء

أكّد مدير المحافظة على الغابات بالادارة العامة للغابات، عز الدين الطاغوتي، في تصريح ل(وات)، أنّه …

%d مدونون معجبون بهذه: