الرئيسية » أقلام حرة » الوداع الأخير في زمن الكورونا.. كل التفاصيل عن دفن ضحايا الوباء في تونس

الوداع الأخير في زمن الكورونا.. كل التفاصيل عن دفن ضحايا الوباء في تونس

بقلم ماهر جعيدان

في زمن الكورونا، ليس من السهل أن تقف على أجمل مكان في عاصمة الفاطميين وثاني العواصم الإسلامية بأفريقيا، تلك المقبرة التي تطل على البحر من أعالي الهضبة وتجتمع فيها ذاكرة المدينة ويرقد فيها أهاليها. تطالعك القبور ببياضها الناصع. هي أمة حية تطل على الميناء القديم والأسوار الشامخة التي صدت الغزاة في القرون الغابرة وقاومت العدو القادم من وراء البحار والأساطيل الجرارة الغازية. كل يوم، كان يأتي القوم بعزيزهم ليدفنوه هنا ويتجمل الزائرون لأهاليهم الراقدين هنا بما تيسر من قراءة القرآن والدعاء بالرحمة والغفران.

أما في العشرين من شهر مارس من سنة 2020، كان المشهد مختلفًا والوقع على القلب أثقل عند دفن أول متوفاة في تونس بسبب فيروس كورونا القاتل في مقبرة “برج الرأس” بالمهدية، قيل عن هذا الموقع إنه رواق الرياح العاتية، وكان كذلك عندما أرست شاحنة بلدية على قارعة الطريق لينزل منها أعوان بلديون وقد ارتدوا أقمصة بيضاء، ونحن الذين تعودنا على لونهم الأزرق، وقد حصنوا أنفسهم بالأقنعة، فتحوا الأبواب الخلفية وأنزلوا منها جثمان أول متوفاة جراء فيروس كورونا داخل صندوق مغلق بمواصفات خاصة، حملوها نحو القبر في أعالي الهضبة وقد اشتدت الرياح. وترى من بعيد الطبيب المشرف على عملية الدفن يوجههم وهناك من بعيد أعوان من الأمن يقفون لتأمين موكب الدفن. رافق “الوداع الأخير” صفير الرياح والأمواج العالية المتلاطمة، كانت المراسم قصيرة وسريعة وسرعان ما خلا المكان إلا من بعض المارة هناك من بعيد.

بضع دقائق مرت ولكنها ذات وقع دهر على نفوس التونسيين، رافقت المرأة المتوفاة دعوات بالرحمة من ملايين التونسيين وهي التي عرفت بدماثة أخلاقها، إذ أفادنا مصدر مقرّب من أهلها أنها أستاذة متقاعدة ومربية متميزة في مادة العلوم الطبيعية، درّست في معاهد عديدة وتربى على يديها أجيال. توفيت وقد بلغت من العمر 72 سنة ولها أبناء ثلاث وزوج كريم.

منذ الإعلان في وسائل الإعلام في الثامن عشر مارس الجاري عن وفاتها أمام قسم الإنعاش، على متن الوحدة المتنقلة للطب الاستعجالي، علمنا أنها عادت في السادس عشر من مارس/ آذار من تركيا، التزمت الحجر الصحي الذاتي توقيًا من فيروس كورونا، وكانت رفقة ابنها وزوجها اللذين بقيا في الحجر كذلك، ولما شعرت بضيق في التنفس اتصلت برقم الاسعاف الاستعجالي وتم نقلها على وجه السرعة للمستشفى الجامعي فرحات حشاد بسوسة ولكنها توفيت قبل أن يتم إيداعها قسم الإنعاش، وتم أخذ عينة للتحليل في مخابر شارل نيكول بتونس العاصمة، وانتظر التونسيون 24 ساعة لكي يتم الإعلان رسميًا عن نتائج التحاليل التي كانت إيجابية وثبتت وفاة أول مواطن تونسي على التراب التونسي جراء هذا الوباء.

ومنذ أن أعلن عن وفاة المرأة المسنة، اتصل “ألترا تونس” بالجهات الرسمية لوزارة الصحة وسألناهم عن بروتوكول الدفن الذي اتخذته وزارة الصحة، فخصنا سامي الرقيق المدير الجهوي للصحة بسوسة بالقول إن “إجراءات الدفن ستكون خاصة جدًا وذلك في النقل والدفن والحضور، وبالتالي فلن يسمح إلا بحضور شخص واحد من عائلتها لمعاينة عملية الإنزال في القبر، كما ستتخذ إجراءات وقائية عند النقل لكافة الأشخاص المسخرين لإتمام المهمة، ولن يتم تغسيلها أو لمسها باعتبار أن الفيروس لا يزال حيًا في الجثمان”.

وقد أثار بروتوكول الدفن لحالات المتوفين بهذه الجائحة عاصفة من التساؤلات الفقهية منها والإنسانية والاجتماعية، باعتبار أنه من النادر في هذا العصر التعرض إلى وباء من هذا القبيل، ولما اختلط الديني بالصحي والاجتماعي كنا متعطشين لسماع آراء المختصين في ذلك.

وفي هذا الإطار، أكد رئيس بلدية سوسة محمد إقبال خالد لـ”ألترا تونس” أن جميع إجراءات الدفن الإدارية واللوجستية أشرفت عليها مصالح وزارة الصحة بالجهة، وأنه تم تسخير شاحنة بلدية لنقل الجثمان وأعوان بلديين تم تجهيزهم بالأوقية اللازمة كما تم توفير صندوق ذي خصوصية لنقل مثل هذه الجثامين”.

ويذكر أن المتوفاة كانت ستوارى التراب في سوسة بحكم إقامتها، ولكن بتدخل من زوجها تمت التوصية بدفنها في مسقط رأسها المهدية، كما أن زوجها وابنها اللذين رافقاها في الرحلة الأخيرة القادمة من تركيا قد التزما بالحجر الصحي الذاتي ولم يحضرا مراسم الدفن.

وأكد والي المهدية في تصريح خص به “ألترا تونس” أنه “فعليًا تم التنسيق بين بلديتي سوسة والمهدية من جهة، وبين المندوبية الجهوية للصحة في كل من الولايتين بالتعاون مع معتمد المهدية والسلط الأمنية لإتمام مراسم الدفن على أحسن وجه ووفق البروتوكولات التي فرضتها وزارة الصحة”.

و رغم عدم نشر بروتوكول الدفن لموتى فيروس كوفيد-19 للعموم من طرف وزارة الصحة، رغم الإعلان عنه خلال ندوة صحفية سابقة، فإن الرأي العام قد تقبل الإجراءات الاستثنائية للضرورة. وقد تعود العالم على قبول مثل هذه التوصيات التي تصدرها عادة منظمة الصحة العالمية تحت عنوان “إجراءات الدفن المأمون” بالنسبة للأمراض السارية، ويعد هذا البروتوكول بالتعاون بين منظمة الهلال الأحمر والصليب الأحمر ومنظمات دينية وإثنية بما فيها مجلس الكنائس العالمي ومنظمة الإغاثة الإسلامية و مؤسسة كاريتاس الدولية ومنظمة الرؤية العالمية.

وحسب رؤية منظمة الصحة العالمية فإنه يتم “إشراك الزعماء الدينيين المحليين في التخطيط والتحضير لدفن الموتى وكذلك مراسم الدفن نفسها مع إعطاء إرشادات محددة بشأن مراسم الدفن الاسلامية والمسيحية”.

ويمكن أن نفهم من خلال المقدمات التحضيرية لمثل هذه البروتوكولات التي تراعي الخصوصيات الدينية خاصة وأن القنصلية العامة للجمهورية التونسية بميلانو قد أعلنت الجمعة 20 مارس 2020 “عن تكفلها بدفن مواطن تونسي توفي بالكورونا وبطلب من عائلته في المقبرة الإسلامية ببريشا، وذلك يوم الأحد 22 مارس القادم، وكان الفقيد قد توفي الأربعاء 18 مارس 2020”.

وقد فرضت بروتوكولات الدفن الخصوصية جدلًا في الأوساط الدينية خاصة فيما يخص غسل الميت وتكفينه وما يطلق عليه بـ”مسامحة” الأهل وعملية إنزاله وكل ما يتعلق بالشعائر الدينية في تلقينه الشهادة وتثبيته في مكانه وغير ذلك من مراسم الدفن بما في ذلك الصلاة عليه.

وقد حسم عثمان بطيخ مفتي الجمهورية التونسية الجدل في الداخل التونسي بتأكيده في تصريح لإذاعة موزاييك الخاصةـ، الجمعة 20 مارس، أن “المتوفى بفيروس كورونا لا يغسل و تجوز عليه صلاة الغائب عوضًا عن صلاة الجنازة، و له ثواب الشهيد على غرار الشهداء الذين يتوفون في حريق و أثناء عملية هدم أو غريق”، حسب قوله.

ولعل من أهم المسائل الإنسانية تلك المتعلقة بما يسمى بـ”الحساسية الأسرية”، ومن ذلك مراعاة أهل الميت نفسيًا واجتماعيًا، ومن ذلك مثلًا الامتناع عن ارتداء معدات الحماية الشخصية عند مقابلة الأسرة لأول مرة الإذن منهم إخبارهم بطلبهم عند الوداع الأخير خاصة فيما يخص التعامل مع رفات الشخص المتوفى وأشيائه الشخصية.

وبقدر الدعاء بالحفظ لكل نفس بشرية من شر هذا الوباء، فإن ما يجب أن يؤخذ في الحسبان عند مراسم دفن ضحايا هذه الجائحة الإلمام بكل التفاصيل التي تراعي الكرامة البشرية سواء للميت أو لأهله ووضع استراتيجية تعامل واضحة تكون بالاشتراك بين جهات متداخلة من وزارة الصحة والشؤون الاجتماعية والجماعات المحلية والشؤون الدينية.

كما أن للمجتمع المدني دور كبير وفعال في مجابهة الأزمات وفوائد التطوع في مثل هذه الحالات كبيرة ويمكن أن تضطلع جمعيات في تكوين فرق لمجابهة هذا الوباء والتكفل بالتدخل لإجراء مراسم الدفن بالتنسيق الكامل مع وزارة الصحة ذات المسؤولية الأولى في حفظ الصحة وعدم انتشار الوباء.

ويمكن القول إن صدى تجارب البلدان التي سبقتنا خلال الشهرين والنصف التي انتشر فيها وباء كورونا في الصين وإيطاليا وإيران ومصر وتعدد حالات الوفيات، وما اعترضهم من تداعيات صدمة الموت جراء فيروس كورونا، قد يقودنا إلى التحوّط من الحالات القصوى، فقد تم رصد مواقف محرجة للذات البشرية من بينها عدم التغسيل والتكفين بطريقة خاصة والدفع في القبر بالحبال ورش القبور بالمبيدات ونوع من المطهرات قبل الدفن وذلك تجنبًا للتلامس الذي تنجر عنه العدوى، ولكن هذه الإجراءات قد لاقت انتقادًا واسعًا وأثارت مسائل شرعية دينية وحقوقية كذلك.

ولا يخص هذا الأمر الديانة الإسلامية فقط بل تمتد إلى كافة الأديان والإثنيات، فالسلطات الصينية حظرت التقاليد الدينية وأصدرت قرارًا بوجوب “تطهير الجثث ووضعها في حقيبة مختومة من قبل العاملين في المجال الطبي ولا يسمح بفتحها بعد الختم. كما يجب حرق الجثث في محارق جثث محددة” (شينخوا).

في إيران، تشابهت مراسم الدفن بالحالة التونسية من حيث الإجراءات. أما في إيطاليا التي تعتبر البلد الأوروبي الأكثر تضررًا من الفيروس، تقام مراسم مصغرة بحضور كاهن واحد وشخص واحد من أقارب المتوفى.

المصدر: الترا تونس

تعليقات

شاهد أيضاً

تصبحون على وطن:”شعبٌ ينتخب من لا يحكم.. أو أعطونا حقّ الانتخاب وأخذوا منّا السّيادة”

يامن أحمد حمدي  يوجد خلل في النظام السياسي جاء من رحم تشكّله القانوني عند المصادقة …

%d مدونون معجبون بهذه: