الرئيسية » أقلام حرة » تمرّد مصري في انتظار تمرّد تونسي

تمرّد مصري في انتظار تمرّد تونسي

بقلم يامن أحمد حمدي

لم يتطلـّب الأمر أكثر من حملة توقيعات ودعوات فايسبوكيّة وكلمة سحريّة من أربعة حروف أفقيّة التكوين “ت – م – رّ – د” لتنتهي أوهام دعاة الهدر والسّفـح وشيوخ قطع الأعناق وليّ عنق التاريخ وتجّار المقابر والحاكمين بأمر الله والمحتكرين لشرع الله والممثلين لعظمة الله…

هكذا انتهت تجربة الإخوان في مصر بعد سنة مقيتة من البؤس والفقر والتدهور الاقتصادي والعنف الاجتماعي وانسداد الأفق السياسي، لم يتطلـّب الأمر أكثر من 365 يوم ومهلة بـ 48 ساعة، لينكشف خور المشروع الإخواني الفاشل غير الواضح حتـّى لمنظريه وغير المفهوم حتـّى من قبل أكبر قياداته… هنا أستذكر ما أورده محمّد حسنين هيكل (خازن ذاكرة مصر المعاصرة) عند لقائه مع مؤسّس حركة إخوان حسن البنـّا، سنة 1946، الذي عرّف حركة الإخوان المسلمين كالتالي: “دعوة سلفيّة وطريقة سنيّة وحقيقة صوفيّة وهيئة سياسيّة وجماعة رياضيّة ورابطة علميّة ثقافيّة وشركة اقتصاديّة وفكرة اجتماعيّة”، ولكم أن تحاولوا فهم هذا السجع المغرق في الالتباس والكلام المبهم كغمغة سحرة القرون الوسطى…

   الحركة الثورية التي قادتها “تمرد” الحركة الشابة تثبت أن مصر لا يمكن أن تنحاز إلا لوسطيّتها وإرادة شعبه، لذلك انسجمت الجماهير مع هذه الحركة ولبّت النداء وتدافعت نحو الساحات العامّة في حركة ثورية لم يسبق لها مثيل، إذ أنّ تمرّد مصر على الإخوان لا تشبه كل الثورات ولا كلّ أشكال التمرّد، أولا لأنها ليست مليونية ولكنها “ملايينية”، وثانيًا لأنـّها ليست ثورة على الإسلام كما يصفها دعاة الإخوان ومن لفّ لفهّم ولكنها ثورة على مشروع الإسلام السياسي الذي قادته حركة الإخوان في المنطقة من النشأة الأولى لظهور أفكار حسن البنا بإحياء دولة الخلافة، إلى ترؤّس آل سعود لحركتهم العالميّة، إلى الدخول في دوّمات الاغتيال إلى التفنـّن في القتل والتنكيل الجماعي والفردي، إلى سرقة الثورات العربيّة من صانعيها،… والى آخر لحظة من لحظات خطاب مرسي للشعب حين قسم شعبه بين مريد ومرتد، مثلما قسّم شيخنا راشد الغنـّوشي التونسيّين بين مسلم وملحد وإسلامي ثورجي ومتمرّد صبياني في خطابه الأخير.

   تمرّد مصر قلب ميزان الحرب الطائفية في المنطقة وأعاد الأمور إلى نصابها الطبيعي، فبعد أن آمنت القوى السلفية والدول الممولة لمشروعها في تقسيم المنطقة، أن مصر دخلت خانة الاستقطاب الطائفي العنيف وبدأت تستجيب لرغباتها، في مشهد حرق الكاتدرائية القبطية ومشهد سحل شيخ الطائفة الشيعية حسن شحاتة تأتي هذه الثورة المصرية الشابة لتقلب طاولة المراهنين وتحول شحاتة إلى رمز ثوري محرض على الإخوان وسوء سياساتهم بإدارة البلاد، الثورة المصرية هي أول ثورة “ملايينية” على أحزاب الإسلام السياسي في المنطقة…

الموقف الامريكي غير مفهوم لا لشئ إلا لأنّ إدارتهم السياسيّة ومؤسّساتهم الاستخباراتيّة أصبحت عاجزة عن فهم أنّ الشعوب لن تنحني مرّة أخرى لعملائها، وأنّ الشعوب العربيّة قد عرفت طريقها حتى وإن فقدت بوصلتها في لحظات غفلة واستغفال، وأنّ المستقبل للشعب وحده والذي سيكون سيّد نفسه وحاكمًا لنفسه وأنّ الوطن للجميع والدين لله وحده…

أمّا الدول الأوروبيّة فقد أعمتها أوهام عودة التاريخ الاستعماري البغيض لذلك لا تزال ترى في هذه شعوب المنطقة سوى سكـّان مستعمرات، كان يتمّ حكمهم بمندوب ومقيم فأصبحت تحكم بجنرال أو…”مرشد”، لذلك اكتفى الاتحاد الأوروبي بإعلان اندهاشه بحركة الشعب المصري الثورية، وفتح فمه الفاغر أمام إبداعات الشباب المصري.

مشيخة قطر تدعم الإخوان وترمي لها أطواق النجاة من خلال تركيز قناة الجزيرة على المقيمين أمام مسجد رابعة العدويّة وتحرّض محلـّليها على القول أنّ حركة تمرّد خروج عن الشرعيّة.

المملكة العربيّة السعودية (التي هي بالمناسبة الدولة الوحيدة في العالم المعاصر التي تحمل اسم مؤسّسها على طريقة الدول “الأسريّة” البائدة) تكتفي بالترقب وإرسال برقيّات متناقضة في كل اتـّجاه بين تهنئة وتنبيه وتحذير وتخوّف.

سوريا العصيّة على عصابات التكفير وقطع الرؤوس وأكل لحوم البشر وقلوبهم، ترحّب وتنظر بعين الشامت في مرسي الإخواني الذي توعدّها بجيش من القتلة…

تونس تنتظر ساعة الصفر للانقلاب على الحزب الإسلامي الحاكم وحلفائه، وقد فهم شعبها أن لا شيء مستحيل وأنّ طريق الثورة طويل وأنّ التمرّد مستمرّ على كلّ من طغى وبغى وتجبّر… والشعب التونسي ينتظر أن يردّ له الشعب المصري “الهبّة الثوريّة” التي منحها منذ سنتين ويعوّضها بـ”هبّة تمرّديّة” اليوم أو في الغد القريب…

أقل ما يقال عن تمرّد مصر الآن أنه ثورة تصحيح المسار وثورة انقلاب على فشل الإسلاميّين وثورة على دجل التدين السياسي وثورة على كهنة السماء، وأنّ هذا التمرّد المصري أعطى فسحة من الأمل لحدوث “تمرّد” آخر في تونس ضدّ الحركات الإسلامية وسوء إدارتها للدولة، وأن الحركة المدنية الشبابية هي التي ستعيد ترتيب الأوراق وستعزل هذه الفزّاعات الخاوية على عروشها، حتـّى وإن اكتفى عليّ العريّض بالهمهمة أنّ تونس ليس مصر وأنّ النهضة ليسو الإخوان في تحليل ساذج واستغفال واضح: فتونس ومصر زعيمتا الثورات العربيّة والنهضة ليسوا سوى نسخة مقلـّدة من الإخوان... وحتـّى وإن ردّد الشيخ راشد المرشد النهضاوي عبارات الراحلين قبل رحيلهم، من نوع: ألعاب صبيانيّة، وشباب حالم ومعارضة واهمة…

المرشد الإخواني المصري سقط فعليّا على أرض الواقع فهل سيسقط بسقوطه المرشدين في المنطقة كما اسقط الجنرالات بعضهم كـ”حجر الدومينو” في ثورات تونس ومصر واليمن وليبيا…

لقد أثبت الشعب المصري المتمرّد أنه لا يمكن أن يترك ثورته لعبة في يد من يحلو له عقد الصفقات وتدبير المؤامرات عليها بغرض اختطافها وإجهاضها، وعليه منذ اللحظة أن يكون أكثر انتباهـًا، وأن يرفع درجة الاستعداد والضغط المستمر لمنع أية ضغوط خارجيّة أو انقلابات أو ردّات فعل دمويّة تغرق مصر الكنانة في حرب أهليّة…

منذ الآن على الشعب المصري المتمرّد أن يقف في وجه أية محاولات لسرقة الثورة كما حدث من قبل…وفي انتظار ذلك نبقى على أمل حدوث “تمرّد” تونسي الصنع والهوى والهويّة…

وتصبحون على وطن

تعليقات

شاهد أيضاً

الصّدام بين الشاهد والطبّوبي: خلاف مؤسّساتي أم “تخميرة” خلاف شخصي؟

بقلم يامن أحمد حمدي    للاتحاد العامّ التونسي للشغل تاريخ طويل من الشد والجذب، بلغ …

%d مدونون معجبون بهذه: