الرئيسية » أقلام حرة » “دار الصيد” في سوسة.. بيت عتيق يحكي تاريخ عائلة تونسية

“دار الصيد” في سوسة.. بيت عتيق يحكي تاريخ عائلة تونسية

كم من منزل عتيق داخل أسوار سوسة الأغلبية (أي المشيّدة زمن دولة الأغالبة) قد محاه الزمن وذهب به إلى النسيان ونزلت به نوازل الدهر فأصبح أثرًا لا يذكر إلا في روايات الأجداد كحكايات السندباد. غير أن “دار الصيد” منزل صمد أمام نوبات الدهر إذ صنع منه صاحبه حكاية فاستعاد مجده وجعل منه شاهدًا على إرث ثقافي للمدينة بات مهددًا بالاندثار، وأراده متحفًا يؤمه الزائرون، تونسيون وأجانب، لاكتشاف الخصائص المعيشية والاجتماعية للعائلة التونسية وطريقة ممارستها لحياتها اليومية في القرون الماضية.

دار الصيد..  متحف كان دارًا معمورة

بحث “الترا تونس” عن الحكاية التي أراد أن يتركها لنا مالك البيت سامي الصيد، فدخلنا المدينة العتيقة من “الباب الجبلي” واتجهنا يمينًا حذو سور المدينة الشاهق الذي يفصل بينه وبين البناءات نحو المترين والنصف. وبعد مائتي متر، وقفنا أمام باب “دار الصيد” الأصفر اللون والضخم بمصراعين، والمنقط بمسامير سوداء اللون والمُحاط بعُرصتين من حجر “الكذال” وقوس يحمل نقائش.

طرقنا الباب بالمقرعة العلوية فاستقبلتنا هدى الصباغ أرملة سامي الصيد وهي المرأة المشرفة على هذا البيت العتيق بعد أن ورثته عن زوجها، وجلسنا في “السقيفة” على دكاكين إسمنتية مكسوة بالوسائد.

لم تعد دار الصيد آهلة اليوم بسكانها وإنما انطفأت نيران موقدها منذ زمن وهدأت حركة أطفالها وذهبت سطوة سيد المنزل وبات الخدم جزءًا من تاريخ مضى وهي اليوم متحف شاهد على الذاكرة فحسب.

سألنا هدى الصباغ عن انجرار ملكية هذا المنزل العتيق فقالت إنه تم اقتناء جزء من هذا البيت من “بنات السكندراني”، أما الناحية العلوية فكانت بناية آيلة للسقوط مجاورة للمنزل تم اقتناؤها من مالكها ذي الديانة اليهودية، ليتم إدماج الجزئين وترميم المنزل حتى أصبح على ما هو عليه اليوم وهذا دليل على الإضافات والتحويرات التي شملت أجزاء عديدة من مكونات هذا المنزل.

تبقى “دار الصيد” في قراءة تفاصيلها نموذجًا للبيت التونسي الذي تأثر بالعمارة الأندلسية والتركية فأنتج خصوصية عمرانية لا تزال محل دراسات وقراءات متنوعة. وهي تمثل أنموذجًا لـ”الدار الكبيرة” كما يحلو أن يوصف بها أهلها، ومن حيث التخطيط فإنها لا تحيد عن باقي الدور التي شيدت أواسط القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

تفتح السقيفة على فناء يتوسط البيوت ويضمّ جانبًا علويًا يطلق عليه “الدويرية”، ويضم المطبخ والفناء فضلًا عن المخزن وبيت الخدم، ولعل ما يميز الدار تلك الجمالية في التزويق والنقش عبر أذواق متمازجة، أندلسية ومغربية وعثمانية وإيطالية أيضًا.

خلال بداية جولتنا بالمنزل، أكدت محدثتنا هدى الصباغ على حرص زوجها لتأثيث البيت وكافة المرافق التي يحتويها بنفس ما كانت تحتويه في السابق من أثاث وألبسة وإكسسوارات.

توجهت بنا هدى نحو الفناء الذي تتحلق به غرف ثلاث ورواق، كانت البيوت تتحلى بزينة من حجر “الكذال” المنقوش بعدة رسومات من أهلة ونجوم ثمانية وسداسية فيما تعتلي إحدى البيوت بوصلة حجرية. وكانت تسمي الغرف حسب وجهتها فمنها الجبلية والأخرى الشرقية والثالثة الغربية وذلك حسب حركة الظل.

ماذا يوجد في غرفة الزوجة الثانية؟

على يسار الفناء أو كما يطلق عليه “وسط الدار”، توجد غرفة الزوجة الثانية، هكذا ارتأت هدى تسميتها، وهي دلالة على التعايش بين الزوجتين في البيت الواحد. توجد في مدخل غرفة الزوجة الثانية “السدة” وهي بناء عالي من الإسمنت على يمين الغرفة ويسارها مزدان ومزركش بإطار خشبي يطلق عليه “السرير الحجامي”، فيما يحلّ في جوف الغرفة “المجلس”.

وتوجد “مقصورتان” وهي عبارة عن غرف فرعية مفتوحة على الغرفة الكبيرة إحداها للولد والأخرى لرب البيت عندما يحل عند الزوجة الثانية. وتزدان أرضية الغرفة بجليز يطلق عليه “الزربية” تتمازج ألوانه بين الأحمر والأخضر في أشكال متناظرة ومتناسقة.

وأشارت إلينا هدى الصباغ برسوم الأسماك والديكة على اللوحات وهي ذات دلالة أسطورية لدرء الحسد والشرور عن البيت، كما يتم تعليق المرآة على الجدران في أكثر من مكان ويطلق عليها “العلجية” حتى تتحلى المرأة بجمالها وتتزين لزوجها.

ونبقى في غرفة الزوجة الثانية، فنجد من الثياب في الدواليب الخشبية أو ما يطلق عليه “بالقلص” البرنوس الأبيض والرمادي والبنيّ “الأشخم”، كما نجد من ملابس الزوجة “الحايك” الأسود والأبيض و”السفساري” و”فراشية الصوف”. وتتجهز الغرفة بزربية “علوشة”، وهي الزربية القيروانية الصنع، وستائر من الحرير الأحمر القاني توضع خلف الإطار الخشبي المحيط “بالسدّة” لتفصل بين السرير وباقي الغرفة عند النوم.

وفي “المجلس”، توجد ثلاثة أرائك وساعة جدارية ضخمة تتوسط الحائط وعلى “المرفع” الخشبي توضع قوارير العطور ومرش “الزهر” و “العطرشية”. وما استرعى انتباهنا وجود ستائر عليها نقائش غربية تعود إلى القرون الوسطى ذات دلالات دينية مسيحية كما لاحظنا رسومات لنجمة سداسية في أكثر من مكان.

ويقيم الولد في المقصورة الثانية من نفس الغرفة وهي مقصورة مجهزة بدولاب خشبي و”فرش حجامي”، ونجد من الألبسة “الجبة” و”الكبوس” و”البلغة”. وتحتفظ الزوجة الثانية بـ”الدوح” و”مقعد” الصغير ولوازم الطفل دون العشر سنوات باعتبار أنه يغادر الغرفة عندما يصير مميزًا فيستقل ببيت له في المنزل خارج هذه الغرفة.

خرجت بنا هدى الصباغ من الغرفة نحو الفناء ثانية، ودخلت بنا نحو الغرفة الشرقية التي يستقلها الولد بعد بلوغ العشر سنوات وهي أقل مرافق من البيوت الأخرى إذ تضم “السدة” يمينًا ويسارًا و”المجلس” و”البنك” الخشبي وتتوسطها “مبخرة” نحاسية عتيقة.

ثم انتقلت بنا إلى الرواق الذي يعتبر ميزة “وسط الدار” فهو الذي يجمع كافة أفراد الأسرة وخدمهم وزائريهم من النسوة والأقارب ويقيمون فيه عاداتهم وتقاليهم عند الأفراح والأتراح. ولعل ما يميز رواق “دار الصيد” أنه يضم آلة بيانو تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر ولوحات فنية على الجدران ذات بعد تاريخي.

رأس الدار.. غرفة النوم الأفضل تأثيثًا

من باب التشويق، تركتنا هدى الصباغ لنكتشف أكبر غرفة في الدار وهي المشرفة مباشرة على الرواق والفناء الواسع، هي غرفة الزوج وزوجته الأولى ويطلق عليها عند العائلة التونسية بـ”رأس الدار” وهي الأكبر مساحة والأفضل تأثيثًا والأثمن في محتوياتها والأكثر رفاهة.

دخلنا الغرفة فاعترضنا “المجلس” ذي المرفع المزركش بالألوان الزاهية والمحاط بالمرايا أو ما يطلق عليه بـ”العلجية” في أكثر من زاوية والتحف والمعلقات على الجدران وما ندر من مستلزمات الزينة. كما تحتوي الغرفة على “الخزنة” وهي عبارة عن دولاب حديدي صعب رفعه يخفون فيه ما غلا ثمنه وعلت قيمته من جواهر وحلي ووثائق ومخطوطات.

ومن بين الألبسة والأثاث في الغرفة، نجد أنواعًا من ثياب العروس فالعائلات الميسورة تحتفظ بكسوتها التي تعتبر ثروة باعتبار مخيطها بالفضة والذهب.

ومن ميزات هذه الغرفة أن بها حمامًا على شاكلة البناءات الحديثة يضم حوضًا كبيرًا من الرخام وقنوات لمده بالماء الساخن ينزل من الطابق العلوي وتتم عملية التسخين بخزان يشتغل بالفحم. ويضم الحمام كل المستلزمات كـ”القبقاب اللوح” و”القبقاب الفضي” و”الطفالة” و”الفلاية” و”الصابون التقليدي” والعطور وأدوات عتيقة للحلاقة.

ماذا يوجد في بقية أجزاء المنزل العتيق؟

صاحبتنا هدى الصباغ لاحقًا إلى الطابق الأول من “دار الصيد” وهو عبارة عن فناء أصغر في الجزء العلوي ويضم “الماجل” الذي تخزن فيه مياه الأمطار وبجواره آلة تسخين الماء بالفحم. وتعلّق على الجدار “الفتاشة”، وهي آلة حديدية لرفع الحاويات التي تسقط في البئر. كما وضعت في الفناء الصغير بعض الجرار التي تخزن فيها الحبوب والزيت والمخزون السنوي من “العولة”.

ويضم المطبح كوانين تشتعل بالفحم وهي مشيدة في الجدار ويطلق عليها “الوجق” وتوضع عليها كافة أنواع القدور. كما وجدنا بالمطبخ أنواعًا عديدة من الخزفيات تختلف أحجامها وأشكالها حسب طبيعة الاستعمال ومنها “العجان”، و”الزير”، و”الغراف”، و”الكسكاس”، و”التبسي” و”الخوافي”.

كما نجد جميع أنواع القدور النحاسية سواء كبيرة الحجم المستعملة في الطهي في المناسبات والأعياد أو صغيرة الحجم المستعملة في الأيام العادية ومن بينها “الحلّة” و”النحاسة الكبيرة”.

ومن بين الخصائص العمرانية لـ”دار الصيد” أنها تضم في الطابق الثاني غرفة مخصصة للخدم يتخذونها كمقر للإقامة الدائمة، كما شيدت حديثًا منارة تطل على أسوار مدينة سوسة وأبراجها وعلى البحر أيضًا.

لما تتجول في “دار الصيد” تسبح الذاكرة متخيّلة واقع الأسرة التونسية الميسورة كما كانت عليه في الواقع، هكذا أراد مجدّدها سامي الصيد ومن بعده ورثته ولكن ما كبح هذا الحلم تعرض الدار للنهب وسرقة لمقتنياتها الثمينة أثناء الثورة وهو ما تسبب في فقدان بعض الأثاث الذي لا يمكن تعويضه بأي حال، حسب تأكيد هدى الصباغ المشرفة على الدار في حديثها لـ”الترا تونس”.

لكن رغم فقدان بعض الأثاث والتجديد في بعض منشآت الدار، تظلّ “دار الصيد” جوهرة ثمينة تزين المدينة العتيقة في سوسة ما جعلها قبلة جاذبة للسياح تونسيين وأجانب لاستكشاف عبق التاريخ الكامن في جدران بيت عتيق تنطق جدرانه قصصًا وحكايات حول ماضي أسرة تونسية.

الترا تونس

تعليقات

شاهد أيضاً

مترشحة للباكالوريا تكتب بفمها.. الفم يبدع قبل الأيدي أحيانا!

تسلمت ورقة الامتحان بابتسامة عريضة من الاستاذة المراقبة، قرأت الاسئلة بتركيز ظاهر ثم انحنت إلى …

%d مدونون معجبون بهذه: