الرئيسية » أقلام حرة » مهرجان “أوسو” بسوسة في قبضة السلطة السياسية من جديد

مهرجان “أوسو” بسوسة في قبضة السلطة السياسية من جديد

الصحفي :ماهر جعيدان 

مهرجان “أوسو” بسوسة أحد أهم التظاهرات التي تنتظم بالجمهورية التونسية منذ 56 سنة و يبدو أن عمقه التاريخي جعل منه مناسبة احتفالية وطنية و حظي بالاهتمام تنظيميا و أعطى لجوهرة الساحل سوسة طابعا مميزا في فصل الصيف و صارت المدينة قبلة للمصطافين من الداخل و الخارج.

و شيئا فشيئا صار الكرنفال رمزا للاحتفالية، هذا الكرنفال الذي يمر بشاطئ بوجعفر و تسخر له جميع الإمكانيات المادية لإنجاحه و ذلك بإنجاز عربات مجسمة للمؤسسات العمومية و الخاصة و يوشح بفرق موسيقية و نحاسية و استعراضية و يزين بلوحات فنية و تشكيلية متنوعة .
غير أن ” أوسو ” إله البحر حسب الأسطورة الفينيقية و الذي كان يلقب بـ “أغسطس ” قد سحر السياسيين الذين حكموا تونس و وجدوا فيه بضاعة للتسويق السياسي فكان بورقيبة يولي الكرنفال أهمية متوسطة و ينظر إليه بنصف عين لأن بورقيبة يرى احتفالات عيد ميلاده بعينين بصيرتين و لا يريد لكرنفال “أوسو” تفوقا على مراسم احتفالاته بقصر سقانص في 3 أوت .
و على خلاف بورقيبة تحكم بن علي في مهرجان أوسو و أولاه “العناية السلطوية اللازمة ” فكان يوم الكرنفال يكرم فيه الوالي و أعوانه أو يهان و كانت تصرف الأموال الطائلة على الكرنفال و تسخر كل مؤسسة عمومية ميزانية ضخمة ترقى إلى مئات الملايين لإعداد “عربة” جرارة تتضمن مجسما و كان يشرف كل وزير في اختصاصه على الإنجاز تحت سلطان الوعد و الوعيد و يقع تجميع العربات و تصنيعها بمصنع السيارات بسوسة الذي تملكه الدولة و “يدور الدولاب “للعديد و ينتكس آخرون جراءه بـ “القلبة ” . كما ذهب ضحية هذا الكرنفال ولاة و معتمدون و مسؤولون قصروا في خدمة إلههم الأرضي “الحاكم ” و إلههم “الأسطوري ” أوسو .
و ظل الكرنفال علامة للسلطوية و الاستبداد لسنين و شبهة للفساد المالي و الإداري لمنظميه و غاب عنه “بن علي” في آخر عهده بالسلطة سنة 2010 و كانت الأسباب أمنية .
و كانت ثورة 2011 التي ذهبت ب “هيبة” مهرجان “أوسو “برحيل المخلوع و انزواء منظميه من” ذوي الخبرة و الكفاءة العالية “في التصرف في الأموال العمومية و الخاصة .
و احتجب الكرنفال طيلة 4 سنوات و هي فترة حكم الترويكا اعتقادا من الحكام الجدد بأن المخلوع بن علي كان رمزه و تغافلوا عن العمق التاريخي و الاجتماعي لأهل الساحل في الاحتفال بـ”أوسو” و رموا عرض الحائط بنية المجتمع الضاربة في العراقة و رموا في سلة المهملات العلامات الاجتماعية و التاريخية المضيئة التي تبرز في هذه الاحتفالات و إن كانت قد أصبغت بألوان السياسة القاتمة .
هكذا إذن ظل مهرجان أوسو أسير القبضة السياسية يلوكه الساسة كما يشاؤون و تشطح على أصالته اللصوص الذين ينهبون المال العام من ورائه و هكذا تحاك المؤامرات للفوز بتنظيمه و يتسابق الانتهازيون للكسب غير المشروع و لمعت أسماء منظميه في أوساط البلاط و أهله.
بعد أربع سنوات من الغياب يعود إله البحر “أوسو” و يعود الكرنفال في شوارع سوسة و قد التف أكثر من 150 ألف مواطن على جنبتي الطريق لمشاهدة لوحات فنية قد غابت عن المشهد , عاد جمهور سوسة و ضيوفها للالتفاف حول تاريخ و عمق مجتمعي دون أن ترتع حافلات الشعب الدستورية و لافتات الموالاة و دون أن تفرغ الشواطئ من مصطافيها مثلما حدث سنة 2006 و تدافع الجمهور بتلقائية بحثا عن الفرجة و الفرحة على حد سواء .
و في المقابل فرغت منصة “بن علي” التي كانت تنتصب قبل أسبوع تنتظر الدكتاتور لعله يأتي أو قد لا يأتي مثلما حصل سنة 2010 عندما ترك مكانه لوزيره الأول . و حضر في كرنفال 2015 وزيران فقط يتوسطهم والي الجهة و ظلت جل الكراسي فارغة فارهة فاهها ، و غاب الرئيس المؤقت و الدائم و رئيس الحكومة المؤقتة و الدائمة و نواب مجلس الشعب و التأسيسي و كأن لعنة الإله “أوسو” قد لحقت الساسة و الحكام فهربوا من كرسي بن علي و أماكن حاشيته .
في حين ظلت قوات الأمن بكافة تشكيلاتها على عهدها بتأمين الكرنفال و بتواجدهم المكثف خاصة و أن سوسة لا تزال تعيش على وقع العملية الإرهابية التي جدت في 26 جوان 2015 .
لم يفلت كرنفال “اوسو ” من قبضة الساسة و أهوائهم و شهد حقبات من الحكم في تاريخ تونس الحديث بل أكثر من ذلك فقد سال لعاب البعض بعودته و هزهم الحنين إلى عهد الدكتاتورية و اعتبروا عودة الكرنفال فاتحة لعودة منظومتهم التي ظلت تترصد الثورة حتى تطيح بها و تصنع الأشكال الاحتفالية المزيفة التي تنعش الفساد و الفاسدين و تعيدهم إلى الساحة السياسية من جديد .
عشرات الآلاف من الحشود التي توافدت على كرنفال “بابا أوسو” في 26 جويلية من سنة 2015 رسخت عبث الشعب بأهواء الساسة الذين يحكموه في حين ظل الساسة يترصدون عمق الشعب حتى يفسدوه . و بين هذا وذاك لا زالت السماسرة تسيء لبلد امن بما يصنعوه .

تعليقات

شاهد أيضاً

الصّدام بين الشاهد والطبّوبي: خلاف مؤسّساتي أم “تخميرة” خلاف شخصي؟

بقلم يامن أحمد حمدي    للاتحاد العامّ التونسي للشغل تاريخ طويل من الشد والجذب، بلغ …

%d مدونون معجبون بهذه: