الرئيسية » أقلام حرة » هل أتاكم حديث القصر ؟

هل أتاكم حديث القصر ؟

الصحفي ماهر جعيدان

قرّر رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي صباح اليوم الاثنين تعيين السيد لزهر القروي الشابي وزيرا ممثلا شخصيا له

اطلع الشعب التونسي لأول مرة على خطة سياسية مستحدثة منذ الاستقلال و هي وظيفة من الدرجة العليا و تحضى بميزة خاصة .

الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية التونسية (87 سنة ) عين لزهر القروي الشابي (86 سنة ) و قد مثل عامل السن مثار الاستغراب الثاني لدى التونسي و قد برز ذلك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التي تناولت المسألة من هذه الزاوية .

و يذكر أن الأزهر القروي الشابي هو محام من مواليد 1927، شغل منصب وزير عدل في حكومة الباجي قائد السبسي خلال سنة 2011 في حين ان الباجي حسونة قائد السبسي من مواليد 26 نوفمبر 1926أتت به انتخابات 2014 إلى قصر قرطاج .

“وزير ممثل شخصي لرئيس الجمهورية ” برتبة وزير بالديوان الرئاسي خطة تضاهي نيابة رئيس الجمهورية و الاضطلاع بمهامه و صلاحياته لاستكمال العهدة الموكولة إليه في حال غيابه ،هذا الفهم يعطي الانطباع السيئ في القدرات التواصلية لرئيس الجمهورية لأسباب صحية أو غيرها .

هذا الأمر قد يتناوله التونسيون ببعض الحساسية و ذلك بعد انتخابات رئاسية توجت الفترة التأسيسية للجمهورية الثانية ،انتخابات انحصر التنافس فيها في الدور الثاني بين محمد المنصف المرزوقي الرئيس المؤقت و الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي و قد أثيرت في الحملة الانتخابية مسألة السن و القدرة الصحية على تسيير دفة الحكم و لا أدل على ذلك ممارسة الرئيس المؤقت لمباراة كرة قدم دلالة على السلامة الجسدية و كشفه لملفه الطبي إعلاميا خلافا للباجي قائد السبسي الذي أبدى مستشاروه امتعاضا من منافسه و اعتبروا المسألة الصحية ثانوية بل اعتبروا عامل السن خبرة و عامل نجاح لتسيير الدولة خاصة مع وجود طاقم تسيير و مستشارين أكفاء أمثالهم .

الحديث عن قصر قرطاج مقر إقامة رئيس الجمهورية في تونس لم ينقطع منذ أن دخله الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية ، و لئن عهدناه مقر “إقامة ” الرئيس فهو مقر “الحكم ” و هو كذلك  مقر “الانقلابات”و هو مقر “الحاشية ” و هو مقر “العائلة” ..

بورقيبة ،بن علي، المبزع، المرزوقي،السبسي ..هؤلاء ساكنو قرطاج ،كل ترك في ذاك المقر السيادي جزءا من تاريخ تونس..و جزء من التاريخ كل من دخل القصر مستشارا مقربا صاحب الرأي و التدبير.

تناول التونسيون أخبار سعيدة ساسي و المقربين من الحزب الاشتراكي الدستوري  الذين أداروا “صراع القصر” في عهد بورقيبة ،و كان انقلاب بن علي الذي وجد في أصهاره و عائلته و مقربيه من التجمع الدستوري الديمقراطي من يدير صراع القصر في السنوات الأخيرة من حكمه حتى أطاحت به ثورة 2011 .

شاهدان من التاريخ يصلان الماضي بالحاضر و يجعلان من مهمة “وزير ممثل شخصي لرئيس الجمهورية ” حلقة من حلقات تاريخ تونس الحديث .

و لعل ثورة 14 جانفي 2011 قد أنست الشعب التونسي مصطلح “القصر” بما يحمله من معنى سلطة القرار و الاستبداد و الاستفراد بالرأي و الدكتاتورية و القمع و كل ما في معنى “القصر من سطوة و جبروت يقترن بكل معاني الظلم و القهر.

 و شاب سنوات ما بعد الثورة  صراع  سياسي و إيديولوجي بين الفرقاء السياسيين و استهداف لمؤسسة الرئاسة التي نعتت بـ “الطرطرة” و وصف المنصف المرزوقي بـ “الطرطور” و صنعت له القلابس بألوان و أشكال مختلفة  و روج إعلاميا أن هذه المؤسسة قد آلت إلى غير أهلها و قد حط من قيمتها و لا أدل على ذلك ما لم يمنحه الدستور الصغير الذي انبثق عن المجلس التأسيسي للرئاسة من صلاحيات بل ما أبقاه ذاك الدستور من فتات الصلاحيات . كما استهدف كل من أحاط بساكن قرطاج من مستشارين حتى ضاقت بهم “ميزانية الشعب” و ظهرت خلال الحملة الانتخابية وثائق و فواتير إدارية تبرز رئيس الدولة المؤقت يقتات أكثر من عشرين كيلوغرام من السمك يوميا..

من “قصر الرئاسة” في عهد بورقيبة إلى “قصر قرطاج” في عهد بن علي وصولا إلى “قصر السمك” في عهد المرزوقي ها نحن اليوم في “القصر” بألف و لام التعريف كما يطلق عليه  أهل نداء تونس .

“القصر” بجميع الصلاحيات في عهدي بورقيبة و بن علي حسب دستور 1956 إلى “قصر” دون صلاحيات في عهد المرزوقي حسب دستور التأسيس 2011  ليرتقي إلى “قصر” لا زلنا لا نعرف مدى صلاحياته رغم دستور 2014 .

سيارات القصر و مصاعد القصر و احتفالات القصر ..و لا ننسى “عائلات شهداء” القصر هي أول ما بدأ يتوارد على أسماعنا من أخبار القصر. و صار التونسي يسترق السمع عن أخباره كما لو كان في ذات خريف في عشية يوم 14 جانفي اخر عهد التونسي باستراق السمع يوم كانت المادة الإعلامية شحيحة إلا من أبواق القصر  .

و آخر خبر من القصر  هو “وزير ممثل شخصي لرئيس الجمهورية “.و قد سبقت جارتنا الجزائر إلى هذا المنصب الذي تقلده رجلان من رجال الدولة و السياسة في الجزائر و هما أحمد أويحي و عبد العزيز بلخادم  . و قد ارتقت هاتين الشخصيتين إلى منصب رئاسة الحكومة بعد أن تقلدا منصب الوزير الممثل الشخصي لرئيس جمهورية الجزائر عبد العزيز بو تفليقة .و معلوم لدى خبراء السياسة في الجزائر أن هذين الرجلين أدارا صراع الكراسي و حافظا على موازين القوى كم ضمنا بشكل او بآخر الولاية الرابعة لبوتفليقة بعد موجة  من الاحتجاجات  قادها حقوقيون و مكونات من المجتمع المدني الجزائري .

اليوم الاثنين تم الإعلان عن حكومة نداء تونس التي شكلها الحبيب الصيد رئيس الحكومة المكلف و في نفس اليوم يصدر بلاغ من القصر لتسمية وزير ممثل شخصي للرئيس .و في هذا اليوم يتساءل الجميع عن مدى احترام القصرين قصر الحكومة بالقصبة و قصر قرطاج لدستور 2014  الذي يضمن الحد الأدنى من الحرية و العدالة لشعب لا يشم ريح القصور .

تعليقات

شاهد أيضاً

العلاقات الجزائرية التونسية.. من حسن الجوار إلى المحور الإقليمي؟

عمار لشموت كاتب من الجزائر يبدو أن الرئيس عبد المجيد تبون، لا يريد الاكتفاء بدور …

%d مدونون معجبون بهذه: