الرئيسية » أقلام حرة » الشباب التونسي والهجرة غير النظامية: بين ثنائية الجوع في الداخل والأبواب الأوروبية الموصدة

الشباب التونسي والهجرة غير النظامية: بين ثنائية الجوع في الداخل والأبواب الأوروبية الموصدة

أسامة عثمان

تحولت الهجرة ومغادرة البلاد هاجسا لدى عدد كبير من الشباب التونسي الذي صار يسعى بشتى السبل إلى معانقة الشواطئ الأوروبية والانتقال للعيش في هذه القارة العجوز كما دُرج على تسميتها. رغبة تتعزّز مع تردي واقع هؤلاء الشباب وأخبار ابن الجارة الذي هاجر منذ سنوات وعاد ذات صائفة يتباهى بسيارته وحقائب الهدايا التي جلبها معه. هذا الحلم الذي صار محور أغاني الراب والأغاني الشعبية لم يتأثر بأخبار الحوادث التي تتعرض لها مراكب المهاجرين خلسة، أو بمشاهد الصناديق التي تعود إلى البيوت حاملة جثث من غرقوا، مورثين أحلامهم لطوابير جديدة من المستعدين لخوض المغامرة ولو كان الثمن حياتهم.

في هذا السياق تمكنت وحدة بحرية تابعة لجيش البحر يوم 29 نوفمبر 2019 من إنقاذ 13 تونسيا أعمارهم بين 18 و41 سنة بعدما تعطّل مركبهم على بعد 36 ميلاً بحريا من السواحل التونسية، وأشار بلاغٌ صادر عن وزارة الدفاع أنهم غادروا بنية اجتياز الحدود خلسة نحو الشواطئ الإيطالية. إلا أن الكثير ممن سبقوهم، لم يكونوا محظوظين بما فيه الكفاية ليبقوا على قيد الحياة في محاولة الخروج من البلاد خلسة. فقد ابتلع البحر مئات الشبان وهم يحاولون الوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط. وقد كانت آخر هذه الحوادث المأساوية في شهر أكتوبر 2019، حين غرق مركب يقلّ 50 فردا أغلبهم من التونسيين، قبالة سواحل جزيرة لامبيدوزا جنوبي مدينة صقلية الإيطالية، وفق ما أعلن عنه المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. حادثة تسببت فيها البحرية الإيطالية عند محاولتها إيقاف المركب، لتكون الحصيلة إزهاق روح 28 شابا.

 

الهجرة غير النظامية إلى أوروبا: التونسيون على رأس القائمة

بالعودة إلى الأرقام، تعد إيطاليا الوجهة الأكثر جذبا للمهاجرين التونسيين، مقارنة بدول الجوار التي تطل بدورها على البحر الأبيض المتوسط والتي تربطنا بها قواسم مشتركة على غرار التاريخ والجغرافيا والخصائص الاجتماعية والثقافية. معطى يؤكده ل “المفكرة”، الشاب عاطف الغانمي الذي هاجر بطريقة غير نظامية إلى إيطاليا. فقد اعتبر أنّ تراتيب الهجرة غير النظامية إلى الشواطئ الإيطالية أقل تعقيدا مما هي عليه في دول الجوار، وبسؤالنا له عن الأيام الأولى التي قضاها في إيطاليا، أجابنا أنه للوهلة الأولى تشعر أنك لا تزال تتجول في إحدى المدن التونسية، حيث توجد بعض الأحياء التي يتواجد التونسيون وبعض الجزائريين والمغاربة بكثافةباختصار، فالأيام الأولى لا تختلف عن حياتنا اليومية في تونس.

يمثل التونسيون الأغلبية الساحقة من المهاجرين في إيطاليا. فالرحلات التي تنطلق من تونس هي الأعلى مقارنة بباقي سواحل الدول المغاربية في الضفة الجنوبية للمتوسط. فقد بلغ عدد التونسيين الذين حطوا الرحال على الشواطئ الإيطالية 594 شخصا خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2019. أي ما يعادل 21.4% من مجموع الواصلين إلى إيطاليا في حين لم يتجاوز عدد الجزائريين الذين اتجهوا إلى السواحل الإيطالية خلسةً خلال نفس الفترة 271 شخصا أي بنسبة 9.8% من العدد الإجمالي للمهاجرين غير النظاميين. أما المهاجرون المغاربة، ولئن كانت وجهتهم الأقرب هي مدينة سبتة الإسبانية التي لا يفصلها عن الحدود المغربية سوى شريط من الأسلاك الشائكة التي يتجاوزونها ومن ثم يعبرون عبر مضيق جبل طارق للوصول لإشبيلية أو لغيرها من المدن الإسبانية، إلا أن بعضهم يؤثر الهجرة نحو إيطاليا لضعف الرقابة مقارنة بمضيق جبل طارق، وقد وصل إلى الشواطئ الإيطالية 66 مغربيا بين شهري جانفي وجويلية 2019، وهو ما يُعادل 2.4% من جملة المتسللين خلسة إلى هذا البلد الأوروبي.

وحول تصدر التونسيين قائمة الجنسيات المهاجرة إلى إيطاليا، اعتبر الباحث والمختص في علم الاجتماع فؤاد غربالي عند اتصال “المفكرة” به أن المجتمع التونسي مفتوح على القارة الأوروبية منذ زمن طويل وهو ما يجعل الهجرة إلى أوروبا أمرا سهلا، ناهيك أن المدرسة التونسية لم يعد لها دور هام في تحديد السلم الاجتماعي، فاستفحال البطالة لدى حاملي الشهائد العليا بعث نوعا من اليأس في صدور عدد هام من الشباب، كما أن التضييق على الهجرة النظامية جعل عددا كبيرا يلتجئ إلى طرق خارجة عن القانون، علاوة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية غير المستقرة، فالهجرة غير النظامية من وجهة نظر سوسيولوجية هي حركة احتجاجية يجب التوقف عندها”.

وفق تقرير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعيّة، تعتبر معدلات الهجرة غير النظامية للتونسيين المتوجهين إلى الشواطئ الإيطالية هذه السنة منخفضة مقارنةً بالسنوات السابقة. ففي سنة 2011 وهي السنة التي شهدت موجة هجرة لم تعرفها البلاد قط، بلغ عدد المهاجرين الذين عبروا الحدود الإيطالية 26710 شخصا، في حين تم منع 7595 شخصا من الوصول إلى إيطاليا وتم إلقاء القبض عليهم. أما في الفترة الممتدة ما بين 2012 إلى سنة 2016، انخفضت بشكل ملموس معدلات الهجرة غير النظامية، إذ لم يتمكن سوى 5767 شخصاً من اجتياز الحدود خلال تلك السنوات، كما تم تشديد الرقابة على الحدود البرية والبحرية في كلا البلدين، تمكنت على إثرها السلطات من إحباط 6357 محاولة للهجرة بصورة غير نظامية.

ولكن معدلات الهجرة عادت لترتفع بشكل كبير بين سنتي 2017 و2018، حيث وصل إلى الحدود الإيطالية 12157 تونسيا، وتم منع 10324 شخصا من القيام باجتياز الحدود. وبقراءة الأرقام الأخيرة للسداسي الأول من سنة 2019 يمكن استخلاص أن معدلات الهجرة خلال هذه السنة قد عادت إلى الاستقرار من جديد، فإلى حدود شهر جوان الماضي لم يجتز الحدود خلسة سوى 594 شخصا في حين شهدت نفس الفترة من سنة 2018 مغادرة 3002 شخصا بشكل غير نظامي.

 

العوامل السياسية والاجتماعية عنصر هام في تعزيز الهجرة غير النظامية

عدم الاستقرار في معدلات الهجرة غير النظامية من سنة إلى أخرى، يؤكد ارتباط هذه الظاهرة بالظروف السياسية والاقتصادية والإقليمية، لاسيما مع الزحف المتواصل للمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء الذين اتخذ بعضهم من تونس نقطة عبور إلى أوروبا.

فحسب الإحصائيات التي نشرتها الوكالة الأوروبية لمراقبة الحدود Frontex (فرونتاكس)، وصل 64261 شخصا من جنسيات مختلفة إلى الأراضي الأوروبية سنة 2011. لكن النصيب الأكبر من بين هؤلاء المهاجرين، كان للتونسيين الذين بلغ عددهم 27864، انطلق معظمهم من شواطئ مدينة جرجيس وشواطئ محافظة صفاقس والمنستير، وهو ما يعادل 43.3% من مجموع المهاجرين خلسة إلى أوروبا سنة 2011.

ولعل أبرز تفسير لهذه الموجة الهائلة، هي استغلال المهاجرين غير النظاميين لحالة الاضطراب السياسي والفراغ الأمني الذي شهدته البلاد في تلك الفترة للتسلل من السواحل التونسية على متن قوارب الموت. الحركة الحثيثة على شواطئ المدن التونسية خلال شتاء وربيع سنة 2011، كانت مغايرة للصورة التي تداولتها وسائل الإعلام المحلية والأجنبية حينها حول عودة الأمل للتونسيين بعد خروج الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وهروبه إلى المملكة العربية السعودية، وأن الشباب الذي أشعل فتيل الثورة سيمسك بزمام مستقبله ويتشبث أكثر بأرضه.

استقرت لاحقا معدلات هجرة التونسيين إلى إيطاليا بين سنوات 2012 و2016، حيث ظلت تراوح بين 1000 و2000 شخص سنويا، ولكن أرقام المهاجرين عادت لتسجل ارتفاعا ملحوظا في سنة 2017، فقد هاجر حوالي 6151 شخصا وتم القبضُ على 3178 شخصا يعدون للهجرة خلسة، وكذلك في السنة التي تلتها. فقد وصل إلى الحدود الإيطالية 6006 تونسياً وتمّ إلقاء القبض 7146 شخصا وهم بصدد الإبحار سراً، لتحتل تونس المرتبة الثامنة عالميا على مستوى نقط انطلاق المهاجرين غير النظاميين إلى إيطاليا في سنة 2018. وقد تزامنت هذه الأرقام مع معطى جديد في الساحة التونسية، إذ شهدت تلك الفترة اشتداد الأزمة الاقتصادية التي تعرفها البلاد منذ سنوات، فنسبة التضخم ارتفعت لتبلغ 7.1 بالمائة واستقرت نسبة البطالة عند مستوى 15.4% بين سنتي 2017 و2018 مع تتالي الخطط الحكومية لتجميد الانتدابات في القطاع العام وتراجع الاستثمار الخاص، إضافة إلى تقهقر سعر صرف الدينار التونسي ليبلغ ثلث قيمة الأورو وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، ليتجلى الدور المحوري للوضع الاقتصادي كعامل أساسي في تعزيز الهجرة رغبة من هؤلاء الشباب في تحسين ظروفهم الاجتماعية. مقاربة يؤكدها المختص في علم الاجتماع فؤاد غربالي في تصريحه للمفكرة، إذ شدد أن موجة الهجرة هذه التي استيقظت سنة 2017 هي نتيجة منطقية وحتمية للفشل السياسي الذي أعقب انتخابات 2014 فعدم التوازن السياسي الذي مرت به البلاد في تلك الفترة من تحويرات حكومية ووزارية وغيرها أثر على الوضع الاقتصادي الذي كان عاملاً محورياً في إيقاظ شبح الهجرة مرة أخرى، خصوصا أن الأرقام الرسمية تفيد بأن جل المهاجرين غير النظاميين ظروفهم الاجتماعية سيئة وأغلبهم لا يملكون مستوى تعليميا عاليا.”

 

تونس من قنطرة للمهاجرين إلى وجهة لهم

لئن كانت تونس على رأس قائمة الدول المصدرة للمهاجرين غير النظاميين إلى الأراضي الأوروبية، فإنها أيضاً قبلة عدد كبيرٍ من الأفارقة من دول جنوب الصحراء الذين اختار بعضهم أن يستوطن فيها والبعض الآخر أن يستغلها كنقطة عبور إلى أوروبا. فوفق تقرير نشرته منظمة REACH (ريتش) التابعة للأمم المتحدة والتي تعنى بقضايا حقوق الإنسان بالتعاون مع منظمة Mercy Corps (مارسي كوربس) في شهر أكتوبر من سنة 2018 تحت عنوان “تونس بلد عبور ووجهة للأفارقة من جنوب الصحراء”، ارتفع عدد المهاجرين من جنوب الصحراء المقيمين في تونس بنسبة 66%، حيث تطور عددهم من 35192 شخصا إلى 53490 بين سنوات 2004 و2014. ويشير التقرير إلى أن أكثر من 10000 مهاجر من جنوب الصحراء لا يملك أي وثائق عبور، في حين ارتفع عدد من يتم إلقاء القبض عليهم خلال محاولتهم دخول التراب التونسي بطريقة سرية من 71 شخصاً إلى 271 شخصا بين سنتي 2016 و2017. إلا أن التغيير الملحوظ في أوساط الوافدين إلى تونس من دول جنوب الصحراء الافريقية، هو نتائج الاستبيان الذي أجرته المنظمة والذي كشف أن 80% من المستجوبين يفضلون البقاء في تونس، بينما يخير البقية الذهاب إما إلى أوروبا أو إلى المغرب أو وجهات أخرى. وحول زحف المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء إلى تونس أوضح المختص في علم الاجتماع فؤاد الغربالي ل “المفكرة” أن “هذه الظاهرة ستؤثر بشكل كبير في التركيبة الديمغرافية لليد العاملة في تونس لأن هؤلاء المهاجرين يعملون برواتب بخسة جدا وأحيانا في ظروف لا تطاق، وهو ما سيؤثر حتما في اليد العاملة التونسية. كما أن تونس لا طاقة لها باستقبال مهاجرين غير نظاميين خاصةً في ظل غياب الحد الأدنى من الإمكانيات المادية والأمنية والصحية”.

 

رغم الترسانة القانونية، الهجرة غير النظامية متواصلة

على عكس ما قد يوحي به استفحال ظاهرة الهجرة غير النظامية في تونس من غياب للإجراءات الردعية، إلا أنه يوجد العديد من النصوص القانونية والقوانين الدولية التي صادقت عليها تونس والتي تمنع وتجرم الهجرة غير النظامية، فهي تخضع أساسا لقانون 3 فيفري 2004 الذي يندرج ضمن سياق الالتزامات الدولية لتونس. كما صادقت الجمهورية التونسية على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة العابرة للحدود في 15 نوفمبر من سنة 2000 والبروتوكول الإضافي حول مكافحة تهريب المهاجرين برا وبحرا وجوا.

وقد ذهب المشرع التونسي بعيدا في التضييق على المهاجرين غير النظاميين، إذ تم تجريم كل أشكال العون والمساعدة أو الدعم الذي يمكن أن يقدم إلى مهاجرٍ غير نظامي.

إلى جانب القوانين المحلية والاتفاقيات الأممية، فإن الدولتين المعنيتين بالهجرة السرية في حوض البحر الأبيض المتوسط تونس وإيطاليا قد وقعتا على 4 اتفاقيات تشارك وتعاون، ابتداء باتفاقية 6 أوت 1998 مرورا باتفاقية 5 أفريل 2011 وصولا إلى اتفاقية فيفري 2017. الهدف الأبرز من هذه الاتفاقيات كان الحد قدر الإمكان من الهجرة غير النظامية ومحاولة إيجاد حلول تخدم مصالح البلدين، إذ تم منح الحق لإيطاليا بإعادة المهاجرين التونسيين الذين يتم القبض عليهم في الحدود الإقليمية الإيطالية إلى تونس بعد إقامتهم في مركز الاحتفاظ في إيطاليا.  وقد تمّ ترحيل 2323 شخصاً من إيطاليا إلى تونس سنة 2018. قرارٌ رفضه وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي على هامش ندوة حول “أهداف التنمية في مجال الهجرة يوم 18 ديسمبر 2018 حيثُ أكد على “رفض تونس للترحيل القسري” وأنه “لا يمكن حل إشكالية الهجرة غير النظامية الا عبر الملتقيات والاتفاقيات الدولية وليس بقرارات أحادية الجانب”.

 

مساع أوروبية لجعل تونس سورا لشواطئها

في المقابل فإنّ عددا من الدول الأوروبيّة تضغط على تونس لإنشاء مركز لإيواء المهاجرين غير النظاميين فيه، لتخفيف الضغط عليها ولترحيل المهاجرين من أوروبا إلى أحد هذه المراكز التي ينوون إنشاءها في إحدى دول حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد ظهر هذا القرار جليا في الإعلان الختامي للقمة الأوروبية سنة 2018 حيث تعهدت القمة بغلق طرق ومسارات تدفق المهاجرين وإنشاء منصات إنزال خارج أراضي الاتحاد الأوروبي لإيواء اللاجئين. وقد كانت الوجهة التي ينوون إحداث هذه المراكز فيها هي تونس أو المغرب، إذ صرّح السفير التونسي لدى الاتحاد الأوروبي طاهر الشريف لصحيفة لوسوار البلجيكية في 20 من شهر جوان 2018 بأن طلب انشاء مركز لاستقبال المهاجرين قد طرح لدى زيارة لمسؤولين تونسيين إلى ألمانيا وأثناء محادثاتهم مع الايطاليين، واعتبر أن “الموقف التونسي واضح ويرفض تماما هذه العروض، فليس لدينا لا القدرة ولا الوسائل لتنظيم هذا الأمر، نحن نعاني أصلا مما يجري في ليبيا، والذي هو نتيجة للتدخل الأوروبي”.

كما جددت تونس رفضها الشديد لإنشاء مراكز لإيواء المهاجرين غير النظاميين الذين يتم ترحيلهم من أوروبا على أراضيها خلال القمة العربية الأوروبية التي عقدت بشرم الشيخ بمصر في شهر فيفري 2019، حيث اعتبر وزير الخارجية التونسية خميس الجهيناوي على هامش هذا اللقاء أن “الحوار متواصل مع مختلف الأطراف كدول وكمجموعة للاتحاد الأوروبي للنظر في مقاربة لمكافحة للهجرة غير النظامية تتماشى مع الجانبين، وشدد على رفض تونس ان تكون منطقة عبور او مركز إيواء للمهاجرين غير النظاميين”.

إزاء الرفض التونسي، اتجه الاتحاد الأوروبي إلى المغرب الذي لم يختلف موقفه عن نظيره التونسي حيثُ صرح وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، بأن المغرب “لا يقبل فكرة إقامة مراكز استقبال بعيدا عن الاتحاد الأوروبي”، واصفا هذا الحل بأنه “سهل، ولن يأتي بنتائج حاسمة وإيجابية للحدّ من تدفق أفواج المهاجرين غير النظاميين على دول الاتحاد الأوروبي”.

أمام هذا الرفض، بدأ الاتحاد الأوروبي البحث عن حلول أخرى للحد موجات الهجرة غير النظامية. فاتجهت مثلا فرنسا إلى دمج عدد من اللاجئين وتكوينهم وإعدادهم للانخراط في المجتمع، وذلك عبر قانون سنته في السابع من شهر مارس سنة 2016 ودخل حيز التنفيذ يوم 1 نوفمبر 2016 والذي ينص على إحداث إصلاح لسياسة استقبال ودمج الأجانب الذين دخلوا أول مرة إلى فرنسا، بما في ذلك اللاجئين أو الوافدين بطريقة غير نظامية. وبخصوص دعم عودة المهاجرين طواعية إلى دولهم، فقد أنشأت فرنسا هيئة مختصة في تنظيم الهجرة وإعادة الاندماج، تضمن لكل شخص تتوفر فيه بعض الشروط كأن يكون موجودا في فرنسا لمدة لا تقل عن ستة أشهر وألا يكون قد استفاد من هذا القرار سابقا، وألا يكون تحت طائلة الطرد والترحيل بموجب قرار من الإدارة الفرنسية، ويرغب في العودة إلى بلده، بتوفير مبلغ مالي يتراوح بين 1500 و2500 يورو لتشجيعه على الاستثمار في بلده.

كما انتهجت فرنسا في الآونة الأخيرة سياسة جديدة في مسألة الهجرة غير النظامية أبرزها ما بات يسمى بالسياسة الانتقائية للمهاجرين، حيث كشف رئيس الحكومة الفرنسية إدوار فيليب في 6 نوفمبر 2019 عن سلسلة من الإجراءات الجديدة الهادفة “لإعادة السيطرة” على ملف الهجرة، أبرزها فرض حصص سنوية لاستقبال العمالة الأجنبية وفق متطلبات الاقتصاد الفرنسي. وأوكل مهمة تحديد عدد المهاجرين الذين سيتمكنون من دخول سوق العمل حسب احتياجات الدولة إلى البرلمان الفرنسي.

 

أما ألمانيا فقد أطلقت برنامجا يهدف إلى دعم العائدين إلى بلدانهم الأم بطريقة طواعية وذلك بداية من سنة 2017 تحت اسم StarthilfePlus ويتمثل الدعم في تلقي مبلغ مالي بين 800 و3000 يورو لمن يرغب في العودة إلى وطنه.

بينما لا تزال الحكومة الإيطالية تسن قوانين زجرية في حق المهاجرين غير النظاميين أو من يساعدهم خاصة في الفترة التي تواجد فيها ماتيو سالفيني على رأس وزارة الداخلية حيث نجح هو وحزبه حزب الرابطة اليميني في تمرير قانونٍ يقضي بتشديد العقوبات على المنظمات التي تدير سفن إنقاذ المهاجرين غير النظاميين، وتتضمن هذه العقوبات اعتقال قادة السفن وفرض غرامة مالية تصل إلى مليون يورو.

 

لم تنجح هذه الإجراءات سواء كانت بالترغيب أو الترهيب، في الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، لا سيما هجرة التونسيين التي تشهد تزايدا من سنة إلى أخرى مع تواصل تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية، حيث تجاوز العدد الجملي للمهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا إلى إيطاليا 45834 شخصا منذ سنة 2011، في حين بلغ عدد الذين قُبض عليهم قبل الوصول إلى أوروبا 25542 شخصاً. لكن ليست الهجرة غير النظامية فقط هي ما تهدد الخزان البشري في تونس بل هجرة الأدمغة التي تفاقمت في السنوات الأخيرة. فحسب الأرقام الرسمية، غادر البلاد 94 ألف كفاءة من مختلف الاختصاصات ليتجهوا للعمل في بلدان أخرى.

المصدر: المفكرة القانونية

تعليقات

شاهد أيضاً

أميركا وإيران: الصراع القاتل على النفوذ

سامي كليب   كان قائد فيلق القدس الجنرال الايراني قاسم سليماني يعرف أنه مستهدف بالاغتيال. …

%d مدونون معجبون بهذه: