الرئيسية » الوطن نيوز » أحداث وطنية » المسألة الاجتماعية والسياسات العمومية في تونس: من الهشاشة الى التهميش

المسألة الاجتماعية والسياسات العمومية في تونس: من الهشاشة الى التهميش

هدى القرماني

مثّلت المسألة الاجتماعية والسياسات العمومية محور جلسة عامة نظمّها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في اختتام الملتقى السنوي الرابع للحركات الاجتماعية بمدينة سوسة تحت اسم ” دورة لينا بن مهني”.

وشارك في هذا الملتقى الذي امتدّ على مدى 3 أيام (28-29 فيفري و01 مارس 2020) أكثر من 130 ناشطا في الحركات الاحتجاجية الاجتماعية من مختلف ولايات الجمهورية.

وقد اعتبر الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق، عبد حكيم حمودة، أنّ المنظومة التنموية والسياسية في بلادنا قد ارتبطت إثر الاستقلال بمرتكزين هامين في كلّ مجالات السياسات العمومية.

وتمثّلت الركيزة الأولى وفقا للخبير في التحديث والتي كانت المؤسس للدولة الوطنية وشملت السياسات العمومية في كلّ الميادين من بناء أسس سياسية وفلسفية جديدة للدولة ووضع نمط تنموي جديد إضافة الى التحديث على المستوى الاجتماعي من صحة وتعليم وإيجاد صناديق اجتماعية ستكون الشكل الحديث للتضامن الاجتماعي عبر اخراجه من الإطار التقليدي الأسري الى ربطه بالمؤسسات الحديثة.

أمّا الركيزة الثانية فهي هيمنة الدولة على كلّ المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأصبحت بذلك اللاعب الوحيد دون معارض والمحدّد للمخططات والسياسات القطاعية والعامة وكذلك للسياسات الاجتماعية ويعدّ الاتحاد العام التونسي للشغل هو المؤسسة الوحيدة التي حاولت في تلك الفترة التصدي لهيمنة الدولة الرافضة لفكرة أن يكون لها شريكا.

وهذه الرؤية حسب الخبير طالما لعبت دورا في تحديث المجتمع وبناء الدولة الحديثة والعقد الاجتماعي الجديد وتغيير النمط الاقتصادي لكنّ مع نهاية الستينات وبداية السبعينات وتتالي الأزمات شهد هذا التمشي عمليّة رفض لتفرّد الدولة سياسيا ولسيطرتها اقتصاديا لتنفتح بعد ذلك نحو القطاع الخاص. أمّا على المستوى الاجتماعي فأحداث جانفي 1978 كانت تقريبا نهاية معركة وبداية معارك جديدة بين الاتحاد العام التونسي للشغل وهيمنة الدولة.

وأشار وزير المالية ألأسبق الى أنّ الأزمات المتتالية حتى بعد الثورة أثبتت أنّ مشروع التحديث قد انتهى ويتطلب على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بناء نمط جديد أو عقد جديد بين الدولة والمجتمع.

ولفت الخبير الى أنّ الثورة كانت مخاضا لمختلف هذه الأزمات ونهاية النظام الذي لم يكن قادرا على القيام بحركات إصلاحية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار المطالب التي نادت بها الثورة، كما وفّرت لنا فرصة مراجعة جذرية للمرتكزات الأساسية التي بني عليها مشروعنا السياسي من تحديث وهيمنة للدولة.

وخلص وزير المالية الأسبق القول بأنّ التحديث الذي أوصل الى الاستبداد قد انتهى مع الثورة وما نسعى اليه اليوم هو بناء أطر ديمقراطية تكون قادرة على تحقيق مشاركة حقيقية لكل فئات المجتمع في القرار السياسي. أما اقتصاديا فبناء النمط التنموي الجديد يبقى الهاجس الكبير لكن الى حدّ اليوم يقول الخبير أنّ اهتمامات مختلف الحكومات كانت مقتصرة على إدارة الأزمات الآنية.

واجتماعيا، يعتقد الخبير أنّ هيمنة الرؤية التحديثية لازالت متواصلة وأنّ التعاطي مع الحركات الاجتماعية على المستويين المحلي والمركزي لازال على حاله رغم تغيّر الخطاب، فما يتم خارج مؤسسات الدولة وفقا لرؤيتها هو في نهاية الأمر محاولة لإرباكها حسب قوله.

ويرى أنّ الحركات الاجتماعية ما هي الا تعبير عن فشل وعجز السلطة، ويقول من المفارقات أنّ الدولة ومؤسساتها منذ بداية العقد الاجتماعي إثر الاستقلال الى اليوم تؤكد على حضور الجانب الاجتماعي في سياساتها لكن في ذات الوقت نجد النتائج الاجتماعية لكل الحكومات المتعاقبة تثبت عدم قدرتها على أخذ هذه المسألة بجدية والخروج من التعاطي التقليدي مع الحركات الاجتماعية.

ويضيف أنّ كلّ المسؤولين السياسيين من المركز الى القاعدة كان لهم تقريبا نفس التمشي ولم يقطعوا معه الى حدّ الآن بالرغم من القطيعة التي خلقتها الثورة.

ويشير عبد الحكيم حمودة الى أنّ ما تقوم به الحركات الاجتماعية مسار هام ومخاض سيولّد في اعتقاده فلسفة وركائز جديدة للدولة ولطريقة ضبط السياسات الاجتماعية التي هي أساسا التأكيد على مسائل العدالة الاجتماعية وحقّ الاختلاف والتنوع وبرنامج ديمقراطي اجتماعي الهدف منه تحقيق أهداف الثورة.

تراجع المؤشرات الاجتماعية

يرى الخبير الاقتصادي ومدير الدراسات في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبد الجليل البدوي أنّه لم يكن يوجد في تونس عقد اجتماعي بل كان هناك اطارا لما يمكن اعتباره عقدا اجتماعيا يتمثل في الدستور لكن هذا الإطار كان منذ بداية الاستقلال دائما غير متلائم مع الاختيارات التنموية.

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أنّ المسألة الاجتماعية في تونس قد عرفت مرحلتين أساسيتين مرحلة ما قبل سنة 1986 ومرحلة ما بعدها.

وبيّن أنّ “مرحلة ما قبل” كانت المسألة الاجتماعية فيها حاضرة بكثرة في الخطاب السياسي وفي مكونات النمط التنموي وكان هناك نوع من التكامل بين الاقتصادي والاجتماعي لكن كان وضع المسألة الاجتماعية هشّا ذلك أنّ التركيز كان على التوزيع وليس على الإنتاج والإنتاجية إضافة الى اعتماد السلوك الريعي.

وفي الفترة الثانية بعد سنة 1986 يقول الخبير مررنا من الهشاشة في ما يتعلق بالمسألة الاجتماعية الى تهميشها وفصلها عن المسألة الاقتصادية لأنها تزامنت مع فترة الانتقال الليبيرالي والدليل على ذلك أنّ جميع المؤشرات التي تخصّ المسألة الاجتماعية من صحة وتعليم وصناديق اجتماعية قد تراجعت.

وكشف الخبير أنّ النفقات العمومية الموجهة للصحة كانت تمثّل 9.9 بالمائة من مجمل النفقات العمومية في سنة 2001 وأصبحت سنة 2015 لا تمثّل سوى 5.2 بالمائة أمّا في التعليم فقد كانت النفقات المخصصة له تمثل 30.3 بالمائة سنة 2001 وأصحبت تمثل سوى 19.6 بالمائة في سنة 2018.

وكانت النفقات الاجتماعية المختلفة 7.3 بالمائة سنة 2001 وأصبحت 6.7 بالمائة سنة 2011 ومنذ سنة 2012 عرفت ارتفاعا يعود وفقا للخبير الاقتصادي الى الترضيات والإجراءات التلفيقية والوقتية التي توختّها الحكومة لتهدئة الحراك الاجتماعي لكن في المجمل كل النفقات الاجتماعية من تعليم وصحة ونفقات مختلفة مرّت من 47 بالمائة من مجمل النفقات العمومية سنة 2001 الى 36.1 بالمائة سنة 2016 وعرفت زيادة طفيفة سنتي 2017 و2018.

وفي ما يتعلّق بالصناديق الاجتماعية فأشار عبد الجليل البدوي الى أنّها دخلت ابتداءا من آواخر التسعينات في عجز مهول وذلك لسوء تصرّف الدولة آنذاك واستغلالها لهذه الصناديق من أجل التضامن الاجتماعي وتمويل الحفلات الخاصة ومنها احياء ذكرى 07 نوفمبر.

وقد تأكّد عجز الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية في سنة 2005 وعجز الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في 2006، وبين سنة 2006 و2016 أصبح هذا العجز يتجاوز ستّ مرات ما هو عليه في 2006 اذ مرّ من 68 مليون دينار الى 472 مليون دينار سنة 2016. أما الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية فقد تفاقم عجزه الى 14 مرة في نفس الفترة وهذا ما أدّى الى تدني جميع خدمات الصناديق واليوم وصلنا الى حدّ العجز عن تسديد جرايات المتقاعدين وفقا للخبير الاقتصادي عبد الجليل البدوي.

تعاقبت الحكومات وظلّت المسألة الاجتماعية معلّقة

من جهته لفت منير حسين عضو الهيئة المديرة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الى أنّ المسألة الاقتصادية والاجتماعية ظلّت مع تعاقب الحكومات إثر الثورة معلّقة دون أيّ استجابة للمطالب التي كانت العنوان الأكبر لثورة الحرية والكرامة.

وأشار الى أنّ الصراعات والمسائل السياسية طغت على أعمال مختلف الحكومات وهو ما عمّق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وخلق اشكاليات كبرى يمكن تلخيصها اليوم في مسألتين هامتين.

وتتمثّل المسألة الأولى في المعضلة الاقتصادية الّتي تظهر في انهيار كلّ المؤشرات وكل مقومات النمو والتنمية والوصول الى أرقام قياسية على مستوى العجز التجاري والمالي وفي نسبة التداين والمديونية وقيمة الدينار وغيرها من المؤشرات.

وعرّج منير حسين الى مسألة تهريب الأموال التي نعاني منها اليوم مشيرا الى أننا انتقلنا من 1.6 مليار دولار سنويا قبل سنة 2010 الى 4.1 مليار دولار حاليا.

كما انتقد هجرة الموارد البشرية بشقيها مبيّنا أنّنا نجد أكثر من 95 ألف كفاءة من كفاءاتنا التونسية قد غادرت منذ سنة 2011، وأيضا هجرة السواعد عبر الهجرة غير المنظمة مع الإشارة الى أن عدد المهاجرين لا يقلّ سنويا عن 3 آلاف تقريبا حسب الأرقام الرسمية دون اعتبار الحالات التي لم يقع الاعلام عنها.

وعلى المستوى السياسي يكشف منير حسين ضعف النخبة السياسية التي وصلت الى الحكم وعدم ادراكها لطبيعة المشاكل الموجودة في المجتمع التونسي حتى تستطيع فرض تصورات سياسية واقتصادية تلبي مطلبية الحركات الاجتماعية مؤكدا تواصل واستمرارية الحراك الاجتماعي في تونس والذي لم ينقطع ولو بوتيرة مختلفة من سنة الى أخرى وفق قوله.

وأعلن أنّنا نشهد أكثر من 10 آلاف تحرّك سنويا في مختلف المجالات والذي يعكس بالأساس حسب رأيه إصرار المجتمع التونسي على تحقيق المطالب المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

الّا أنّ منير حسين وصف الحركات الاجتماعية في تونس اليوم بأنّها تتميّز بالتشتت وبالاختراق السياسي لبعضها إضافة الى كون طبيعة هذه الحركات مبنية على المطلبية الآنية وأحيانا المحلية.

وتابع هذه الحركات لا تستطيع اليوم أن تمثّل القوة الاجتماعية القادرة على تشكيل كتلة تاريخية تحسم الصراع القائم منذ 2010 الى اليوم لصالح الجماهير الشعبية في تلبية حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والتي أصبحت مدسترة بدستور 2014.

وفي نفس السياق انتقد محدثنا سياسات تجريم الحركات الاجتماعية منذ 2016 والملاحقات الأمنية والقضائية في كل مناطق الجمهورية وهرسلة هذه الحركات لافتا الى أنّ الأرقام تشير الى وجود أكثر من 1000 قضيّة في المجال البيئي وفي كل المجالات سنويا.

وقال عضو الهيئة المديرة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أنّ هذه سياسة اتبعتها حكومة الشاهد منذ 2016 حيث عمدت الى قطع التفاوض في هذا المجال.

وأضاف أنّ الأطراف السياسية لا تهتم بالحركات الاجتماعية التي فقدت في الواقع الثقة في الأحزاب السياسية وفي مؤسسات الدولة وفي الاتحاد العام التونسي للشغل واذا ما فقدت ثقتها في المجتمع المدني فستتجه مباشرة نحو التطرف حسب تعبيره.

ودعا محدثنا الحكومة الجديدة الى أن تغيّر من سياساتها وأن تفتح قنوات الحوار مع المجتمع المدني للعب دور رئيسي في تحقيق المطالب وارجاع الثقة في الدولة وفي مؤسساتها وهياكلها من أجل أن تحافظ الحركات الاجتماعية على مدنيتها.

أما المعضلة الكبرى الأخرى فأشار منير حسين الى أنّنا نتجه في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الى مجتمع يسير بسرعتين مختلفتين مما يعمّق الفوارق بين الشرائح الاجتماعية اليوم.

من ناحيته انتقد ماهر الحنين العضو بالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية تجريم الحراك وتشويهه ووصمه بأنه يعطّل عودة الاقتصاد للنشاط والنمو من أجل تحقيق مطالب آنية في ظروف اقتصادية ووضعية عالمية صعبة.

وأضاف أنّ ما ميّز الفترة السابقة أيضا الوصف السلبي للحراك ولكلّ نشطائه من قبل بعض الأجهزة والمؤسسات الإعلامية.

والمسألة الأخرى والتي لا تقلّ أهمية فيقول أنّ هناك مسافة كبيرة بين المسألة الاجتماعية وصندوق الاقتراع الّذي لم يمكّن الى اليوم من صعود أحزاب أو شخصيات سياسية قادرة حقا على إيجاد حلول للمسائل الاجتماعية.

وأشار ماهر الحنين الى أنّ هناك وعيا قانونيا اليوم لدى الحركات الاجتماعية في تحويل حراكهم الى حراك بإمكانه أن ينخرط في تحقيق إصلاحات حقيقية للسياسات العمومية وفقا لما جاء به دستور 2014.

وأكّد أنّه لا يمكن أن تتحقّق أهداف الثورة او الانتقال الديمقراطي بالتركيز فقط على الانتخابات الدورية وبناء المؤسسات وتغيير تشريعات حقوق الانسان الفردية على أهميتها وغيرها دون إصلاحات اقتصادية واجتماعية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار مطالب مليونين وثلاثة ملايين من التونسيين يعيشون تقريبا تحت عتبة الفقر أو خارج الدورة الاجتماعية والدورة الاقتصادية.

وذكّر ماهر الحنين بأن المجتمع التونسي قد عارض واعترض على السياسات العمومية للدولة لأنها كانت في البداية سياسات غير ديمقراطية ثمّ أصبحت غير عادلة بين مختلف الفئات الاجتماعية.

يشار الى أنّ برنامج الملتقى السنوي الرابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية قد تضمّن أيضا مداخلات سياسية عامة حول التحديات الاقتصادية والاجتماعية في المرحلة الحالية إضافة الى ورشات تكوينية لمختلف الحركات الاحتجاجية الاقتصادية والاجتماعية ومناقشة أفق دعم هذه الحركات وكيفية تغيير آلياتها ومواجهة سياسات تجريمها.

تعليقات

عن Houda Karmani

شاهد أيضاً

التيار الديمقراطي: “مشروع الدستور خطر داهم يهدد كيان الدولة.. والتصدي له واجب وطني”

اعتبر المجلس الوطني للتيار الديمقراطي، في بيان أصدره مساء الاثنين، أن مشروع الدستور الجديد للجمهورية، …

%d مدونون معجبون بهذه: