الرئيسية » أقلام حرة » الصّدام بين الشاهد والطبّوبي: خلاف مؤسّساتي أم “تخميرة” خلاف شخصي؟

الصّدام بين الشاهد والطبّوبي: خلاف مؤسّساتي أم “تخميرة” خلاف شخصي؟

بقلم يامن أحمد حمدي

   للاتحاد العامّ التونسي للشغل تاريخ طويل من الشد والجذب، بلغ حتى الصدام، مع جميع الأنظمة التي تعاقبت على حكم البلاد، ولكن ما تعرفه في السنوات الأخيرة لم يعد شدًّا وجذبًا أو صدامًا، بل هجمات إعلاميّة تتزامن إمّا مع حملات انتخابيّة أو خروج حكومة أو التصديق على ميزانيّة الدولة (نوفمبر – ديسمبر)، أو بداية تطبيق هذه الميزانيّة (جانفي – فيفري). والغريب كذلك أنّ الهجمات لم تعد تُطلق من قبل الأحزاب الحاكمة بل حتّى من قبل “هواة” في السياسة (ائتلاف الكرامة نموذجًا).

   ولكن الغريب ما يقوم به السيّد يوسف الشّاهد هذه الأيّام، من خلاله هجومه المجّاني على الاتحاد وعلى شخص أمينه العام، رغم أنّ الشاهد قد تلقّى مساندة ودعمًا منهما لم يحظ به رئيس حكومة منذ 2011، رغم لا مبالاته وإخلالاته العديدة بكلّ الاتفاقيّات والالتزامات.

  فالاتحاد أمضى على وثيقة قرطاج لحكومة ائتلافيّة منذ دخول الشاهد لرئاسة الحكومة في 13 جويلية 2016، وكان هذا التوقيع حافزًا لتسعة أحزاب ومنظّمتين للتوقيع على الوثيقة. والتزمت كلّ الأطراف بما يلزمها من الوثيقة ما عدا الطرف الحكومي.

  ومع ذلك أعطى الاتحاد فرصًا أخرى لحكومة الشّاهد ولو على حساب منظوريه، حيث وقف بحزم ضدّ إضرابات بعض القطاعات، وأخذ مواقف مساندة لسلط الإشراف، بدءًا بتوقيع اتفاقيّات هزيلة مع بعض القطاعات (قطاع التعليم الثانوي في سنة 2018 و2019)، وليس انتهاءًا بمعاقبة إداريّة لنقابيّين (قطاع القباضات الماليّة في 2018).  وكانت مكافأة الشاهد للاتحاد عبر الإخلال بأغلب الاتفاقيّات، والالتفاف على التزاماته الماليّة والإداريّة.

  ومنذ الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 2019 وصدور النتائج، تطوّر الصراع من الخلاف بطابع مؤسساتي إلى خلاف بطابع شخصي، اذ انتقل نقد الاتحاد وأمينه العام من الحكومة ككل الى رئيسها والتركيز على شخص الشاهد. قبل ان يتأزم اكثر خلال الاسبوع الفارط الذي حمل معه اتهام نور الدّين الطبوبي للشاهد بأنه يعمل على تأبيد أزمة تكوين حكومة إلياس الفخفاخ لضمان استمراره في القصبة، هذه كانت نقطة تحول الصراع بين الطرفين الى صراع بين شخصين نور الدين الطبوبي ويوسف الشاهد.

فأيام بعد اتهام الطبوبي اطل الشاهد في حوار على قناة حنبعل معلنا بدوره عن انخراطه في الصراع بشكل مباشر وعلني وشخصي بينه بين الامين العام نور الدين الطبوبي الذي اكد انه «وللأسف اصبح جزءا من الصراع السياسي في البلاد» وهذا الانتقال قال الشاهد انه استهل منذ وثيقة قرطاج 2 التي شهدت تحالف الطبوبي وحافظ قائد السبسي، المدير التنفيذي السابق لحركة نداء تونس.

لم يقف الشاهد عند هذا الحد في اعلان صراعه المباشر مع الطبوبي بل أكد ان الأخير اختار ان يصطف مع مرشح للانتخابات الرئاسية في الدور الأوّل، والقصد عبد الكريم الزبيدي، وان هذا الاصطفاف لم يكن مقبولا من قيادات الاتحاد التي انتقدت ما قام به الطبوبي مستشهدا بموقف الأسعد اليعقوبي.

الشاهد وفي صراعه مع الطبوبي حرص على ان يكون الصراع شخصيا، فقد استثنى الرجل الاتحاد ومؤسساته وركز على ان نقده للطبوبي وليس للاتحاد، مشيرا الى ان الاشكال ليس مع المنظمة بل مع الأمين العام الذي قال انه سبب تعفن العلاقة بين الحكومة وبين المنظمة.

هجوم الشاهد على الطبوبي لم ينته دون ضربة تحت الحزام، فالرجل أشار الى انه يأمل ان ينكب اهتمام الرجل على عقد مؤتمر ديمقراطي وليس العكس، قائلا ان كلامه موجه للنقابيين الذين يدركون مقصده.

 هنا أنهى الشاهد هجومه على الطبوبي الذي حركته الاعتبارات الذاتية والشخصية، مثله مثل الاخر، فكلاهما ينظر الى ان الصراع بينهما متعلق بشخصيهما، وان كلا منهما قادر على تصفية حسابات السنوات دون ان يكون لذلك تداعيات على العلاقة بين الحكومة والاتحاد.

فالحكومة في نظر الرجلين حسم امرها وستغادر في المستقبل القريب وهذا يسمح لرئيسها يوسف الشاهد بان يتخلى عن صمته وتحفظه ويرد الهجوم على الامين العام الذي بدوره ارتكب ذات الخطأ وهو التعامل مع المستقبل على انه محسوم لا فرضيات فيه.

 كلاهما غفل عن ان الفخفاخ لم يصبح بعد رئيسا للحكومة اي ان الفرضيات وان كانت ضعيفة بفشله لاتزال قائمة، وهذا يعني ان الشاهد وحكومته سوف يستمرون وسيكون لزاما عليهم التفاوض مع الاتحاد وقادته، وذات الأمر بالنسبة للمنظمة التي غاب عن امينها العام ان كل الاحتمالات تظل واردة واولها بقاء الشاهد.

  غياب الأخذ بكل الاحتمالات ووضعها في الحسبان دفع بالرجلين لشخصنة الصراع بينهما ونقله الى القطيعة وهذا يكشف عن وجود خلل في عقد التعامل بين المؤسسات في الدولة، سواء اجهزة الدولة في ما بينها أو بينها وبين المنظمات والأحزاب والشركاء، خلل ادى لسقوط العرف والتقاليد في التعامل السياسي والمؤسساتي. عرف كان من الأفضل صونه لان في ذلك حماية واحتراما للدولة واجهزتها ونأيا بها عن الحسابات والصراعات الشخصية التي طالما كانت فاتحة لجر الجميع الى الجحيم.

صراع شخصي قد يلقي بظلاله على المشهد القادم، وان كان في هذا الانحراف والخطأ نقاطا قد يسجلها الشاهد الذي يبدو وانه في خضم «تخميرة» الدفاع عن نفسه طبق استراتيجية صناعة العدو لهزيمة اخر، فهنا الرجل صنع لنفسه عدوا باسم الاتحاد ان تطورت الحرب بينهما ستؤدي في النهاية لكسب الشاهد لجزء من الشارع التونسي الغاضب من المنظمة.

ففي النهاية الشارع والقاعدة الانتخابية في تونس تتحرك بالعاطفة التي تقسمهم الى جماعات، بعضها يعادي النهضة فوجد ضالتّه في الدستوري الحر وبعضها يعادي الاتحاد وقد يجد حزب تحيا تونس ورئيسه الشاهد كقبلة لهم.

وتصبحون على وطن

تعليقات

شاهد أيضاً

الكشو :لا مجال للعودة للحجر الصحي الشامل أو غلق الحدود

ترتكز استراتجية وزارة الصحة الجديدة لمكافحة فيروس « كورونا » المستجد، على مزيد تعزيز وتكثيف عمليات الوقاية …

%d مدونون معجبون بهذه: