لطفي الندّاري: التشريعات التونسية في مجال التراث غير مواكبة للاتفاقيات الدولية ووجب تطويرها

 تشريعات غير مواكبة، تداخل مهام المؤسسات المعنية بالتراث، عدم تطبيق القانون وغياب الوعي بأهمية التراث كانت أهمّ النقاط التي برزت أثناء النقاش خلال اليوم الأول من الندوة العلمية التي نظمتها، ابتداء من الاثنين 13 ماي وتواصلت على مدى يومين، بالمتحف الأثري بسوسة، وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية تحت عنوان “اهتمامات تراثية ومقاربات تشريعية”.

وأشار المدير العام للوكالة، لطفي ندّاري، في تصريح لـ موقع “بلادي نيوز” إلى أنّ هذه الندوة التي جمعت مختصين في المجال من مسؤولين وجامعيين وباحثين ومجتمع مدني وعدد من نواب الشعب، وبتنسيق مع كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة، تأتي في إطار الدورة 33 لشهر التراث (18 أفريل-18 ماي) الحاملة لشعار “تراثنا…رؤية تتطوّر وتشريعات تواكب”، وذلك لتعميق الحوار حول الجوانب القانونيّة المتعلّقة بقطاع التّراث والخروج بحلول وتوصيات سيتم رفعها لسلطة الإشراف وللأطراف المعنية.

واعتبر أنّ هذا اللقاء ليس إلّا محطة أولى للنقاش ستعقبها محطات أخرى تضمّ أطرافا متداخلة في هذا المجال ملاحظا أنّ قطاع التراث ليس حكرا على وزارة الشؤون الثقافية وإنما هو شأن وطني بامتياز يتعيّن تكاتف جهود جميع الأطراف.

وشدّد الندّاري على أنّ التشريعات التونسية في هذا مجال تعدّ من أهمّ المعضلات التي تعيق تدبير شأن التراث وتثمينه وجعله قطاعا واعدا واستراتيجيا.

وأضاف أنّ بلادنا لم تستطع، نتيجة التشريعات غير المحيّنة، مواكبة التطوّر السريع لمفهوم التراث على غرار دول العالم التي أصبحت تولي لهذا القطاع أهمية قصوى وتعتمده كحلّ من حلول التنمية المستدامة متابعا أنّ الوكالة على وعي تام بضرورة إيجاد قوانين تساير هذه الرؤية المتطورة لذلك تمّ تنظيم هذه الندوة.

ونادى الندّاري بضرورة تطبيق القانون وتشديد العقاب لردع المتجاوزين ومنتهكي التراث.

كما تطرّق، في جانب آخر، إلى مسألة التداخل في المهام بين المؤسسات الثلاث الكبرى المعنية بالتراث وهي كلّ من الإدارة العامة للتراث والمعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية لافتا إلى ضرورة تحديد وتدقيق الدور المناط بكلّ مؤسسة.

من جهته اعتبر لزهر جويلي، القاضي والأستاذ الباحث في القانون والتراث، خلال تقديمه لمداخلة حول “تدبير التراث في تونس بين أحكام التشريع الوطني ومضامين المواثيق الدولية للتراث” أنّ عدم تطوير تشريعاتنا الوطنية لتستجيب للتشريعات الدولية وللمواثيق التي صادقت عليها بلادنا ساهم في اتساع الفجوة بيننا.

كما استعرض الجويلي الإطار القانوني المنظم للتراث والمخاطر التي تهدد هذا القطاع من عولمة وهشاشة وغيرها واحتياجات حماية التراث وحفظه وصونه والاهتمام به باعتباره احدى الركائز والدعائم للتنمية المستدامة.

وطالب الجويلي بالقيام بعملية جرد لكل النصوص القانونية المعنية بالتراث ثمّ دراستها وتقييمها ومراجعتها على ضوء الاتفاقيات الدولية.

وأشار إلى محدودية السياسات التراثية في بلادنا مناديا بضرورة أن تكون لدينا خطة واضحة تتضمن مقاربة شاملة مع التركيز على البعد اللامركزي في إدارة التراث والسعي إلى رفع مستوى الوعي به وصونه لدى مؤسسات الدولة والمسؤولين والمؤسسة القضائية.

وأفاد بأنّ هنالك عطالة على مستوى تطبيق النصوص القانونية للتراث بالإضافة إلى إشكال صلب النظم والقوانين الداخلية للمؤسسات المعنية بهذا المجال وجب مراجعته مع ضرورة توفير الامكانيات اللوجستية والبشرية اللازمة حسب تقديره.

واعتبر المدير السابق للمعهد الوطني للتراث، نبيل قلالة، أنّ بلادنا كانت سباقة في العالم العربي بإصدارها لمجلة حماية التراث الأثري والتاريخي والفنون التقليدية سنة 1994 وأنّ هذه المجلة “قد قامت بواجبها في شتى الحالات” وفق قوله.

وتابع بالقول “لو وقع تطبيق ما جاء في المجلة بحذافيره لما آلت أوضاعنا إلى ما هي عليه ولتمكنا من حماية تراثنا…المسألة ليست في محتوى المجلة بقدر ما هي الإرادة لتطبيق هذا المحتوى” كما جاء على لسانه.

ورأى عبد اللطيف المرابط، أستاذ متميز ومدير عام سابق للإدارة العامة للتراث بوزارة الشؤون الثقافية، أنّ مجلة حماية التراث لا تتضمن المفاهيم المتطورة للتراث كمفهوم التراث الطبيعي وغيره لذلك بات وفقه من الضروري مراجعة هذه المجلة بالإضافة إلى هيكلة المؤسسات قائلا “مؤسساتنا بوضعها الحالي غير قادرة على مواكبة الحوكمة”.

واستدرك مرابط بأنّ التشريعات رغم ما تمثله من عائق فهي ليست إلا جزء من المشكل وأنّ الأمر يتطلب رؤية جديدة واضحة للتراث قائلا “حان الوقت لأن تكون لنا سياسة للتراث من أجل حمايته وصونه”.

وإجابة عن سؤال إن كانت بلادنا قادرة على الانخراط في المجهود الدولي لتطور التراث بتشريعاتنا الجاري بها العمل، قالت مديرة الشؤون القانونية بوكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، رجاء بن عبد الله، نحن واعون كمختصين في التراث بعدم مواكبة منظومتنا القانونية في هذا المجال للتشريعات الدولية لكن ما يزعجنا هو المشمولات المتشعبة والمتداخلة بيننا وبين المعهد الوطني للتراث وأحيانا لا يكون بيننا تنسيق وهو ما يؤثر سلبا على إدارتنا للتراث لذلك وجب مراجعة هيكلة المؤسسات تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية بصفة تشاركية مع مختلف المتدخلين.

وتحدثت القاضية نجيبة الزائر عن اشكاليات تطبيق التشريع العام في التراث مبيّنة أنّ هنالك اشكاليات مؤسساتية وأخرى تشريعية مقدمة بعض التوصيات والمقترحات السياسية وتوصيات عملية وأخرى تعزيزية وقضائية.

وشدّدت القاضية على ضرورة التوجه للتقاضي من أجل المحافظة على التراث الثقافي مبينة مجموعة التشريعات التي تحمي هذا القطاع واجراءات التتبع.

ومن النقاط الأخرى التي نادى بها الحضور أثناء النقاش إفراد وزارة خاصة بالتراث فيما اقترح آخرون تخصيص كتابة دولة للتراث وبعث ضابطة عدلية خاصة في هذا المجال.

كما طالبوا بإدراج التراث في الحراك الاقتصادي والاجتماعي وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بهذا القطاع وتشريك المجتمع المدني في ذلك وفي القيام بالمراجعات الهيكلية.

يشار إلى أنّه تمّ تخصيص ثلاث جلسات حوارية في هذه الندوة تناولت مسائل “التصرف في التراث: الآليات والتشريعات”، “قطاع التراث والتنمية المستدامة” و”تثمين التراث واستثمار الفرص المتاحة” إلى جانب ورشة تكوينية حول “التقاضي الثقافي: الممتلكات الثقافية نموذجا”.

كما تخللت هذه الجلسات الحوارية مداخلات تأطيرية تمحورت حول “تدبير التراث في تونس بين أحكام التشريع الوطني ومضامين المواثيق الدولية للتراث” و”اشكاليات تطبيق التشريع العام في التراث” و”تثمين التراث في البلاد التونسية: الواقع والآفاق”.

هدى القرماني

تعليقات

عن Houda Karmani

شاهد أيضاً

تونس تسترجع مجموعة من القطع الأثرية من فرنسا

أعلنت وزارة الشؤون الثقافية في بلاغ لها اليوم الثلاثاء عن استرجاع تونس لمجموعة من القطع …