لماذا نحلم بلغات أخرى؟

الأحلام تسلسلات خيالية، بعضها يتضمن سردا واضحا وحكايات نعيشها أثناء النوم، وبعضها الآخر يكون على شكل تهويمات لا معنى لها، وهي تحدث في أذهان الناس أثناء نومهم.

وتتكون معظم الأحلام من سلسلة من الصور والأحاسيس والعواطف التي تتراوح بين اللطيفة والمثيرة إلى المخيفة أو حتى المرعبة.

ولطالما استحوذت الأحلام على خيال البشر، وفي وقت مبكر من التاريخ كان يُعتقد أنها رسائل من عالم الغيب أو وسيلة للتنبؤ بالمستقبل، وفي العقود الأخيرة استحوذت الأحلام على اهتمام علماء النفس والأعصاب والفلاسفة وعلماء الأحياء الذين درسوها وحاولوا تفسيرها وانشغلوا بالجواب عن سؤال: لماذا تعد الأحلام ضرورية للإنسان والحيوان على حد سواء؟

الحلم بلغات أخرى

عادة ما نحلم بلغتنا الأم، لكن ليس دائما، ففي كثير من الأحيان نحلم بلغات أخرى، خاصة إذا كنا نتقن لغات عدة أو نتعلم لغة جديدة، لهذا إذا كنت تتحدث أكثر من لغة فربما تكون قد مررت بتجارب مماثلة اختلطت فيها هذه اللغات أثناء نومك.

تقول الكاتبة الألمانية صوفي هارداش في مقالة لها في منصة “بي بي سي” (BBC) “غالبا ما تتضمن أحلامي الخاصة اللغة الإنجليزية التي أتحدثها في الحياة اليومية هنا في لندن، وكذلك اللغة الألمانية، وهي لغتي الأم التي نشأت وتربيت عليها”.

وتقول الدكتورة الأميركية ستيفاني سركيس في مقالة لها نشرتها منصة “سيكولوجي توداي” (Psychology Today) “قبل مدة حلمت بأناس يتحدثون اللغة الهولندية علما أنني لا أعرف شيئا من هذه اللغة، ولكن كيف عرفت أن اللغة التي أحلم بها ويتحدث بها الأشخاص في حلمي هي اللغة الهولندية؟ علما أنني أمضيت بضعة أيام في هولندا أخيرا”.

وتضيف “أحيانا أخرى أحلم باللغة الفرنسية، ولكني لا أحلم بهذه اللغة إلا مع أشخاص فرنسيين أعرفهم وأتحدث معهم بهذه اللغة حين نلتقي، ومع ذلك وفي ذلك الحلم باللغة الهولندية لم أتعرف على أي شخص من الأشخاص الذين حلمت بهم، ولكن الكلمات كانت هولندية دقيقة، لا شك في ذلك”.

الصم والبكم يحلمون بلغة الإشارة

كيف ولماذا تتواصل أدمغتنا بهذه الأحلام المتعددة اللغات؟ وهل يمكن أن يكون لها تأثير على مهاراتنا اللغوية في الحياة الواقعية؟ وهل يلعب النوم دورا أقوى في تعلم لغة جديدة مما كان يعتقد سابقا؟ وماذا يكشف هذا عن دماغنا الليلي؟

للوهلة الأولى، قد لا يبدو مفاجئا أن الأشخاص الذين يتكلمون لغات مختلفة خلال نشاطهم اليومي وحتى الأشخاص الذين بدؤوا للتو في تعلم لغة أجنبية يستخدمون أيضا هذه اللغات في أحلامهم.

وفي الحقيقة، فإن هذا قد يساعدهم في تعلم اللغة الجديدة التي يدرسونها، إذ إن اللغة التي نتحدثها خلال النهار تنتقل عموما إلى اللاوعي في الليل.

وقد وجدت دراسة علمية أجريت على الصم والبكم أنهم يتواصلون في الأحلام من خلال لغة الإشارة، تماما كما يفعلون أثناء اليقظة.

نظرة فاحصة على عالم الأحلام

من خلال إلقاء نظرة فاحصة على الأحلام المتعددة اللغات تتكشف لنا صورة أكثر تعقيدا، إذ يسجل دماغنا جميع المقتطفات اللغوية التي نسمعها يوميا بشكل عشوائي -سواء في الشارع أو العمل- ويخلطها مع جميع أنواع المخاوف والذكريات والمشكلات التي تحدث أثناء النهار.

AD

وقد يؤدي ذلك إلى إنشاء حوارات كاملة بلغة غير معروفة أو حتى خيالية أو بإحدى اللغات التي صادفها الحالمون في حياة اليقظة حتى لو كنا لا نتحدث هذه اللغة.

وتوضح الكاتبة صوفي هارداش في مقالتها المذكورة آنفا في “بي بي سي” أنها تجري أحيانا محادثات حية باللغة اليابانية في أحلامها، وهي لغة درستها، ولكنها فشلت في إتقانها ولا تستعملها أبدا في حياتها العملية أثناء النهار.

ويبدو أن الكثير منا يصنف لغات الأحلام بطرق معينة بحسب الشخص أو الموقع أو مرحلة الحياة، فمثلا قد يتحدث الأشخاص في الحلم باللغات التي يتحدثون بها في الحياة الواقعية، فيما تميل الأحلام التي تتعلق بالوالدين والأهل ومرحلة الطفولة إلى أن تكون باللغة الأم.

وقد تكون لغات الأحلام أيضا مصحوبة بأسئلة تتعلق بالثقافة والهوية كما هو الحال بالنسبة إلى المرأة التايلندية الأميركية التي حلمت بالتسوق لشراء فستان لشقيقتها المتوفاة، ومناقشة الاختيار مع بنات أختها باللغتين التايلندية والإنجليزية.

أثر البيئة على لغة الأحلام

تشير الدراسات العلمية -على قلتها- إلى تأثير البيئة والوسط الذي يتحرك فيه الشخص على لغة أحلامه، فإذا كنت تفكر بعائلتك في بلدك الأصلي فستحلم بلغتك الأم، أما إذا كنت تحلم بأشخاص عرفتهم في مكان آخر تحدثت فيه لغة مختلفة فستحلم بهذه اللغة، وفقا لما ورد في منصة “هارفارد. إديو” harvard.edu.

وتقول الدكتورة دييدري لي باريت أستاذة علم النفس في كلية الطب بجامعة هارفارد إنه “إذا كان الناس يحلمون بقضايا عاطفية مهمة فإنهم سيحلمون بلغتهم الأصلية، وإذا كانوا يحلمون بأشياء عملية أو مجردة أو متعلقة بالعمل فإنهم سيحلمون بلغتهم اليومية التي يستخدمونها أثناء العمل”.

AD

وتضيف “سمعت شيئا غريبا ومختلفا من أكثر من شخص متعدد اللغات تحدثت إليه، فمثلا هناك اقتصادي سويدي رفيع المستوى يجيد حوالي 15 لغة، وأوضح أنه كان يحلم بأي لغة كان يتحدث بها في ذلك اليوم حتى لو كانت الأحلام تتعلق بعائلته الأصلية في السويد”.

ويقول علماء وباحثون في النوم إن الآليات الدقيقة ووظيفة الأحلام يصعب حصرها ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها لا تزال ظاهرة غامضة تماما.

وهنا تقول الدكتورة باريت “أعتقد أن الأحلام هي مجرد انعكاس لحالة بيولوجية وسيكولوجية مختلفة، إذ تكون المجالات المرتبطة بالتصور والعاطفة أكثر نشاطا من الحدس المعتاد، ولهذا السبب نحن أقل منطقية عندما نحلم”.

وتضيف أن هناك نظريات تقول إن الأحلام موجودة لتوحيد الذاكرة ومحاكاة التهديد ومواقف الخطر التي قد نتعرض لها، ولتحقيق الرغبات المدفونة في اللاوعي، تماما مثل تفكيرنا اليقظ وعقلنا الذي قد يفكر بمليون شيء في اللحظة ذاتها.

المصدر : مواقع إلكترونية

تعليقات

عن Houda Karmani

شاهد أيضاً

الخارجية الفلسطينية تدين مخططات إسرائيلية لبناء 3300 وحدة استيطانية في الضفة الغربية

أدانت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، اليوم،الجمعة المخطط الاستيطاني الذي تدفع به حكومة الكيان لبناء أكثر …