الرئيسية » أقلام حرة » ماذا يقال في مكتب أردوغان؟

ماذا يقال في مكتب أردوغان؟

نبيه البرجي

 

الصدر الاعظم حين يهبط من عليائه… خلال اجتماع اخير لقيادة الحزب الحاكم سئل عن المكاسب التكتيكية والاستراتيجية التي حققتها حكومته من خلال المشاركة المتعددة الابعاد في الاحداث السورية، وما اذا كان من مصلحة تركيا ان تتحول الى باكستان اخرى بالفوضى والتصدع واحتمالات التفكك، لا بل ان السؤال الاكثر حساسية كان «هل ان بلدنا الآن بالفاعلية إياها، وبالوحدة إياها، التي كان عليها قبل الانخراط في الدوامة السورية؟».

من داخل مكتب رجب طيب اردوغان نقل الينا زميل عربي موثوق ويعمل في اسطنبول هذه المعلومات، ليؤكد مرة اخرى انها من مكتب اردوغان، ويقول ان الرجل الذي طالما اعتبر انه يقوم بالخطوة الاولى في اتجاه اعادة السلطنة العثمانية عبر الشرق الاوسط وآسيا الوسطى، يشعر الآن بالاحباط العميق، لا وبل بالهلع ايضا لان الخارطة الداخلية في تركيا تنبىء باحتمالات خطيرة بعدما بدأت تطفو على السطح شعارات ومواقف مذهبية لم يكن لها وجود من قبل، ناهيك عن ان محاولة اللعب على الاكراد باءت بالفشل ليعود الدوران في الحلقة المفرغة

وبالرغم من ان اردوغان الذي لم يبارحه منذ ان كان يافعاً هاجس السلطنة، وقد تخيل نفسه على صهوة حصان شبيه بحصان السلطان سليم الاول، هو الذي يتولى الاشراف على هندسة السياسات الخارجية لبلاده، فقد اتخذ قراراً بترحيل احمد داود اوغلو عن وزارة الخارجية بعدما اخفق في تسويق نظرية النيو عثمانية ونظريات اخرى وصفها احد الصحافيين الاتراك بأنها اقرب الى نوادر جحا منها الى الطروحات السياسية والاستراتيجية… لا ريب ان اوغلو كان مبهوراً بذلك الوصف الفضفاض الذي اطلق عليه الاعلام الغربي (كيسنجر التركي)، لكن الخطأ الذي اقترفه هو انه اوحى لجهات عربية دفعت اموالاً طائلة للخزينة التركية، بأن بلاده هي وحدها التي تستطيع ازالة النظام السوري وحدد مواعيد بدت كاريكاتورية في نهاية المطاف، قبل ان يتذرع بأن الذي حال دون تحقيق ذلك هو ان الدببة القطبية اصبحت عند حدود تركيا دون ان يحرك «الاشقاء» في الاطلسي ساكناً، لا بل ان ادارة باراك اوباما بدت وكأنها تعد العدة لابرام صفقة كبرى مع ادارة فلاديمير بوتين ومن خلال المسرح السوري

وتقول المعلومات ان اردوغان يعتزم التخلي، قريباً، عن اوغلو لكي يوحي للجمهور التركي بأن هذا الاخير مسؤول عن كل العثرات التي واجهت انقرة في العامين الفائتين، بما في ذلك التعامل الفظ مع التطورات في مصر، وهو ما حمل محمد حسنين هيكل على ابداء دهشته، متسائلاً بسخرية ما اذا كان «الرجل المريض» (اي السلطنة العثمانية) قد عاد الى الحياة بمعجزة «نبي» يدعى رجب طيب اردوغان… المعلومات، ومن مكتب رئيس الوزراء، تذهب الى ابعد من ذلك. انه يتجه الى اعادة النظر في سياساته حيال سوريا.

هنا المشكلة، فاسطنبول تستضيف من باتوا فعلاً، لا قولاً، تماثيل الشمع بعد التطورات الاخيرة على الارض السورية، ولا يدري اردوغان اين يلقي بهم. حتما لن يلقي بهم في مياه الدردنيل كما فعل اجداده من السلاطين، وحين استشير الملك عبد الله الثاني باستقبالهم اعتذر عن ذلك بحجة ان بلاده لا يمكنها ان تتحمل كمية اضافية من اللاجئين، لا سيما وان هؤلاء لاجئون بخمس نجوم، والكثيرون منهم اعتادوا على الكافيار والملاهي الليلية… اعادة وصل ما انقطع مع النظام السوري هي الآن قيد البحث في انقرة، وان كانت دون ذلك عقبات كثيرة، منها مواقف بعض الدول العربية واصرارها القبلي على اجتثاث النظام ولو لم يبق في سوريا او في المنطقة حجر على حجر.

وتبعاً للمعلومات فإن الاستخبارات التركية التي لها حضور كثيف وواسع النطاق في سوريا بدأت تقدم تقارير سوداوية الى اردوغان، وهي تلقي باللائمة في ذلك على العشوائية التي تحكم تدخلات بلدان عربية واجنبية في سوريا ما حال دون التواصل الى التنسيق العملاني الحقيقي ليتحول المسرح السوري الى مسرح بابلي وبكل معنى الكلمة..

ولكن من لا يعرف ان الاستخبارات إياها هي التي اقامت معسكرات التدريب والاقامة للمجموعات الاصولية الوافدة من الشيشان وداغستان واوزبكستان وطاجستان وباكستان، وحتى من دول اوروبية، كما انها هي التي قدمت المساعدات اللوجستية لهذه الجماعات للدخول الى سوريا والتموضع في نقاط محورية بعدما تولى ضباط اتراك، وفي دورات تستغرق ما بين الاسبوع والاسبوعين، تعريفهم ومن خلال الخرائط الالكترونية، على كل المناطق والتضاريس والمدن السورية بما في ذلك الاحياء الداخلية، حتى انه كان يتم تخصيص كتائب معينة لكل منطقة ولكل مدينة لان ذلك يأتي بنتائج افضل على الصعيد الميداني

الآن تتعالى الصيحات التركية «البرابرة على ابوابنا»، تماما كما كانت الصيحات الاوروبية عندما كانت الخيول العثمانية على ابواب فيينا، اذ ان جحافل دولة العراق والشام (داعش) باتت على مسافة بضعة كيلو مترات من الحدود التركية، في حين تبدو انقرة حائرة حيال اسئلة اوروبية عن الجهات السورية المعارضة التي ترى مشاركتها في مؤتمر جنيف-2، كما لو ان المبادرة لم تصبح في يد ابي محمد الجولاني وابي بكر البغدادي وابي مصعب الاردني. اي من هؤلاء ينصب رئيسا للجمهورية او اميرا على سوريا؟.. من اشهر طويلة. كان ثمة اتراك يتوقعون ان تصل الحرائق السورية الى بلادهم، ودائما بسبب اللوثة العثمانية التي تسكن خيال رجب طيب اردوغان. لاحظوا كيف ينكفىء الآن. بعد حين قد تلاحظون، مذهولين بطبيعة الحال، في اي اتجاه يمد يده!.

الديار

تعليقات

عن taieb

شاهد أيضاً

النواب الذين أكلوا …الأسد وأشباله !

عبد الدائم السماري   حضر النواب والنائبات، كما لم يحضروا من قبل أبدا.. وحضور الولائم، …

%d مدونون معجبون بهذه: